ما يحدث اليوم في الجنوب لم يعد مجرد أزمة عابرة، ولا إخفاقًا سياسيًا يمكن تبريره بالظروف أو تعقيدات المرحلة، بل أصبح درسًا قاسيًا في معنى الصراع حين تتحكم به التدخلات الخارجية، وتغيب عنه الإرادة الوطنية الصادقة، ويترك فيه الإنسان وحيدًا يواجه الجوع والظلام وانهيار أبسط مقومات الحياة.
بكل صدق ووضوح… هل بقي من يستطيع، أمام هذا المشهد الكارثي، أن يبرر الفشل الذريع لما يسمى بالتحالف السعودي وشرعية الاحتلال اليمني؟ لقد انحرف التحالف عن شعاراته الأولى، وتبدلت الأهداف، وضاعت العناوين التي رفعت في بداية الحرب. فبدلاً من التوجه نحو استعادة صنعاء كما كانوا يعلنون، تحولت الجهود نحو فرض السيطرة الاحتلال على الجنوب، والتحكم بمقدراته، واستنزاف ثرواته، بينما ترك المواطن الجنوبي فريسة للفقر، والحرمان، والانهيار المعيشي والخدماتي.
أي مشروع هذا الذي يترك شعبًا بأكمله يغرق في الظلام، ويصارع الجوع، وتسحق كرامته يومًا بعد آخر؟ ومن يملك الجرأة اليوم ليدافع عن هذا الواقع المؤلم؟ لا يمكن لعاقل يمتلك ذرة ضمير أن ينكر حجم المعاناة التي يعيشها أبناء الجنوب. فمن يدافع عن هذا العبث إما أنه مستفيد من استمرار المأساة، أو أنه فقد القدرة على رؤية الحقيقة كما هي، لأن الواقع بات أوضح من أن يخفى، وأقسى من أن يجمل بالكلمات.
الجنوب يئن تحت وطأة الانهيار، والمواطن البسيط يدفع وحده ثمن الصراعات والمصالح والنفوذ، في وقت اختارت فيه كثير من الجهات الرسمية والمحلية، بل وحتى بعض مؤسسات المجتمع المدني، الصمت أو الوقوف موقف المتفرج أمام ما يحدث.
إلى متى يستمر هذا العبث؟ وإلى متى يبقى شعب الجنوب رهينة لقرارات وقوى لا تملك شرعية حقيقية ولا تشعر بمعاناة الناس؟ إن أكثر ما يؤلم ليس فقط تدهور الأوضاع، بل ذلك الإحساس المرير بأن مصير شعب كامل أصبح بيد من لا يحملون مشروع دولة، ولا يملكون إحساسًا بالمسؤولية تجاه إنسان أنهكته الحرب والأزمات.
ولو كان لدى من يتصدرون المشهد الحد الأدنى من الشعور الوطني أو الأخلاقي، لوقفوا أمام الشعب بشجاعة، واعترفوا بفشلهم، وقدموا استقالاتهم احترامًا لمعاناة الناس، بدلاً من الاستمرار في إدارة مشهد يزداد انهيارًا كل يوم.
أي كرامة تبقت لشعب يحرم من الماء والكهرباء في أشد مواسم الحر؟ أي عدالة في وطن تنهب فيه الرواتب، وتتآكل فيه القدرة الشرائية، بينما ترتفع أسعار الغذاء والدواء بشكل جنوني؟ شعب يُعاقب في معيشته، وصحته، وتعليمه، وحتى في حقه بحياة كريمة وآمنة.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل المشكلة في هذا الشعب الصابر الذي تحمل فوق طاقته؟ أم في أولئك الذين تسلطوا عليه بلا رحمة، ولا وازع أخلاقي أو إنساني؟ إن صمت شعب الجنوب لا يعني الرضا، بل هو صبر مثقل بالألم، وغضب يتراكم بصمت، وقد أثبت التاريخ أن الشعوب الحية قد تصبر كثيرًا، لكنها حين تنهض لا يستطيع أحد الوقوف في وجه إرادتها.
فالشعب الجنوبي لم يكن يومًا شعبًا مستسلمًا، ولا يمكن أن ينسى من عبث بحلمه ومستقبل أبنائه، أو صادر حقه في الحياة الكريمة. وسيظل الجنوب، مهما اشتدت عليه الأزمات، عصيًا على الانكسار، لأن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحرية والكرامة لا تهزمها المؤامرات، ولا تكسرها المعاناة.
ونسأل الله أن يرفع عن هذا الشعب ما أصابه من ظلم وقهر، وأن يري الناس في كل من تسبب بهذه المعاناة عدالة السماء وقدرتها، وأن يعيد للجنوب أمنه وكرامته واستقراره.
ويبقى الجنوب كما عرفه أبناؤه دائمًا… حرًا، أبيًا، شامخًا… لا ينكسر.
✍️ ناصر العبيدي
