شبوة برس – خاص
القول إن استقرار الدولة لا يتحقق إلا عبر قمع الشارع ليس سوى تبسيط خطير لجوهر الأزمة، ومحاولة لتبرير منطق القوة على حساب القانون والعدالة، في وقت يفترض فيه أن تكون الدولة قائمة على المؤسسات لا على أدوات الإخضاع.
فالخلل الحقيقي لا يكمن في الشارع ولا في المواطنين، بل في غياب دولة قانون تحمي المواطن بدل أن تُرهبه، وتُعالج الاختلالات عبر القضاء والمؤسسات لا عبر العنف والإجراءات الأمنية القاسية. فالدولة التي تُبنى على القهر لا تنتج استقرارًا حقيقيًا، بل تصنع صمتًا مؤقتًا يتبعه انفجار أكبر للاحتقان.
وتشير الوقائع في الجنوب إلى أن استخدام القوة المفرطة ضد الحراك الشعبي في مراحل مختلفة لم يؤدِّ إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع فجوة الثقة بين المجتمع والسلطة، خصوصًا عندما يُستخدم القمع كأداة لإسكات مطالب سياسية أو معيشية مشروعة بدل معالجتها جذريًا.
إن الشعوب لا تُدار بالعصا، ولا تُروّض بالقوة، بل تُبنى علاقتها بالدولة على أساس العدالة والمساواة وضمان الحقوق. وكل التجارب تؤكد أن الأمن المستدام لا يتحقق بالقوة الأمنية وحدها، بل بترسيخ ثقة المواطن في أن القانون يحميه لا يستهدفه.
أما تحويل الشارع إلى خصم دائم، أو اعتبار أي حراك شعبي تهديدًا يستوجب المواجهة، فهو نهج خطير يفاقم الأزمات ويغذي بيئة التوتر، ويضعف أي مشروع لبناء دولة مستقرة قائمة على التعاقد الاجتماعي.
الدولة القوية ليست تلك التي تفرض سيطرتها بالعنف، بل التي تكسب احترام مواطنيها عبر العدل، وتدير خلافاتهم عبر المؤسسات، وتستند إلى القانون كمرجعية عليا، لا إلى القوة كخيار أول.
وفي المحصلة، فإن أي سياسة تقوم على القمع بدل الإصلاح، وعلى الإخضاع بدل المشاركة، لن تنتج إلا مزيدًا من الهشاشة السياسية والاجتماعية، مهما حاولت تقديم نفسها كطريق نحو الاستقرار.
*- المحرر السياسي لـ “شبوة برس”
