شبوة برس – خاص

في بلادنا، لا تموت النكتة السياسية، بل تتحول إلى موقف جاد جدًا، يُرفع أحيانًا إلى مستوى “الوطنية الصارمة”، حتى تكاد تظن أنك أمام مشروع دولة، لا مجرد خطاب متقلب.

ووفقا للكاتب السياسي الأستاذ “علي السيقلي” في منشور أطلع عليه محرر “شبوة برس” قال مرت سنوات طويلة، لم يترك بعض الساسة والناشطين ساحة إلا وألصقوا بمخالفيهم التهمة الجاهزة: “مدعومون إماراتيًا!”، وتحوّلت العبارة إلى نكتة سياسية ثقيلة الظل، تُقال بجدية مفرطة، وكأنها تفسير جاهز لكل اختلاف، أو ختم يُوضع على كل رأي لا ينسجم مع المزاج السائد.

كان المشهد أشبه بمسرحية طويلة، بطلها يتحدث عن “الاستقلال الوطني” من موقع يبدو فيه أن العالم كله مؤامرة، وأن أي علاقة خارجية هي خيانة مكتملة الأركان، وأن السياسة يمكن إدارتها بلا مصالح ولا تحالفات، وكأن الدولة تعيش في فراغ جغرافي وتاريخي.

ثم دارت النكتة دورتها الكاملة، وإذا بنفس الخطاب يعود ولكن بملابس جديدة، ولغة مختلفة، وشعارات أنيقة، حيث تحوّل “المدعوم إماراتيًا” بالأمس إلى “الشراكة الاستراتيجية” اليوم، وتحولت كل مفردات التخوين إلى مصطلحات دبلوماسية ناعمة، تُقال بثقة وكأن شيئًا لم يكن.

والمفارقة أن النكتة السياسية هنا ليست في التحول نفسه، فالتغير في السياسة أمر طبيعي، بل في ذاكرة قصيرة جدًا تتعامل مع الجمهور وكأنه بلا سجل، وكأن كل ما قيل أمس يمكن محوه اليوم بكلمة جديدة أو توصيف مختلف.

حتى تبدو السياسة أحيانًا وكأنها عرض ارتجالي، تُعاد كتابته حسب الاتجاه، بينما الجمهور يكتفي بمشاهدة إعادة نفس المشهد، لكن بأسماء مختلفة للكلمات فقط.

وفي النهاية، تبقى النكتة السياسية في بلادنا حيّة جدًا، لا تموت، لكنها فقط تغيّر صاحبها، وتبدل قاموسها، وتنتقل من التخوين إلى التبرير، ومن “الارتهان” إلى “الشراكة”، بينما الذاكرة العامة تُطلب منها دائمًا أن تصدّق النسخة الأحدث دون أن تسأل عن السابقة.

شبوة برس ترى أن المشكلة ليست في العلاقات والتحالفات، فهذا جزء من الواقع السياسي، بل في تحويل السياسة إلى نكتة متكررة تُروى بجدية، ثم يُطلب من الناس تصديقها كل مرة وكأنها جديدة تمامًا.

*- شبوة برس – الكاتب الصحفي علي سيقلي