الإسلام دين العدالة والمساواة ومحاربة الظلم وصيانة الأنفس والأعراض والممتلكات ،وقبل هذا فهو الاستسلام لله وحده وعبادته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه .

وجاء الإسلام رحمة للعالمين، ورسالة عدل ترفع كرامة الإنسان وتحفظ عقله وماله ونفسه. 

لكن التاريخ الحديث كشف ظاهرة خطيرة:

وهي “تسييس المقدس” ،وتحوّل الدين عند بعض الدول والجماعات من غاية تُطلب لذاتها، إلى وسيلة تُستثمر في سوق السياسة .

 كيف يتم اختطاف الخطاب الديني لخدمة أجندات لا تمت لمقاصد الشريعة بصلة؟ ومن يدفع الثمن أولاً، الإسلام أم المسلمون؟

أولاً: لابد من تعريف الإسلام السياسي؟

الإسلام السياسي: هو أي مشروع يرى أن الإسلام يقدّم رؤية شاملة للحكم والاقتصاد والاجتماع، ويسعى للوصول إلى السلطة لتطبيقها.. لكن الإشكال لا يكمن في الفكرة بل في التطبيق. 

هنا يجب أن نفرّق بين “الإسلام” كوحي معصوم، وبين “الإسلام السياسي” كإجتهاد بشري حزبي قابل للخطأ والصواب، والخلط بينهما هو أخطر أنواع الاستبداد، لأنه يجعل نقد الحكومة نقداً لله، ومعارضة الحاكم معارضة للدين. والقاعدة الشرعية تقول: “كلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر” كما قال الإمام مالك، لكن بعض التجارب صادرت هذا الحق.

ثانياً: آليات توظيف الدين في السياسة:

1. شرعنة السلطة: تستدعى فتاوى “طاعة ولي الأمر” لتخدير الشارع، حتى لو كان الغضب بسبب الجوع والبطالة.. ويتحول الحاكم من موظف عند الشعب إلى “ظل الله في الأرض”، وتصير المطالبة بالحقوق خروجاً على الدين.

2. شيطنة الخصم: تحويل الخلاف السياسي الطبيعي إلى “حرب على الإسلام” ، المنافس لا يُهزم في الصندوق، بل يُكفّر على المنبر، وهكذا يتحول السياسي من خصم إلى “عدو لله”، وقتله أو سجنه يصبح قُربة.

3. تصدير الأزمات: عندما يحتقن الداخل وتتعقد الأزمات، يُفتح ملف “نصرة الإخوة المستضعفين” في الخارج ، وتُفتح صناديق التبرعات، ليس دائماً لنصرة المظلوم، بل لصرف الأنظار عن الفشل في الداخل. كذلك تلجأ بعض الدول إلى إدارة الحروب بالوكالة وتُمويل جماعات عابرة للحدود لخلط الأوراق الإقليمية.

4. احتكار التفسير: وهو أشد خطراً ،عندما يتم إنشاء “مؤسسات دينية رسمية” تحتكر المنابر والفتوى .. فلا مجال للإجتهاد المستقل ، وأي عالم لا ‘يبصم’ يصبح “مفتي فتنة”.. ومن يسيطر على المنبر يملك تعريف الحلال والحرام السياسي.

5. المتاجرة بالقضايا المصيرية: تتحول القضايا المركزية مثل قضية فلسطين والمسجد الأقصى ،من قضية أمة إلى ورقة تفاوض! تُجمع التبرعات باسمها، وتُحشد الجماهير بشعاراتها، ثم تُقايض في صفقات مشبوهة لا تخدم القضية بل تخدم الكرسي.

ثالثاً: الإسلام هو الخاسر الأكبر؟ :

1. تشويه صورة الإسلام: ربط الإسلام بالاستبداد والعنف جعل البعض ممن تأثر إيمانه بالتغريب يراه سجناً لا نجاة! وان العلمانية أو حتى “العدمية” صارت رد فعل على “إسلام السلطة”، والإسلام الحق براء منها .

2. تمزيق الأمة: كل جهة تدّعي أنها “حامية حمى الإسلام” وتطعن في إسلام الآخرين، وتحوّلنا من أمة إسلامية واحدة إلى “إسلامات” متصارعة بالوكالة، كل منتحل يحمل مفتاحاً مختلفاً للجنة.

3. تعطيل المقاصد: جاءت الشريعة لحفظ النفس والعقل والمال والدين والعرض. لكن الإسلام المُسيّس أهدر النفس في حروب عبثية، وصادر العقل بفتاوى جاهزة، ونهب المال باسم “بيت مال المسلمين”، ثم زعم أنه يحمي الدين.

4. إسقاط المرجعية: فقد الناس الثقة في “المؤسسة الدينية” لأنها صارت ظلاً للنظام السياسي، وبعض الفتاوى التي كانت تحرّم بالأمس، تحلّل اليوم وفقاً لرغبات السياسية .

رابعاً: كيف نميز بين المشروع الحقيقي والمزوّر؟

يجب ان نسقط هذه المعايير الثلاثة على أي تجربة:

1. معيار الغاية: هل الهدف تمكين قيم العدل والشورى والحرية التي جاء بها الوحي، أم تمكين حزب أو أسرة أو طائفة؟

2. معيار الوسيلة: هل يقبل بالنقد والمحاسبة والتداول السلمي للسلطة، أم يستخدم التكفير والإقصاء والسجن؟

3. معيار النتيجة: بعد كل ذلك، هل ازداد الناس كرامة وعلماً وعدلاً، أم زادوا فقراً وقمعاً وتبعية؟

بعد معرفتنا بهذه المعايير يجب أن نميز بين المشروع الإسلامي الحقيقي وبين المخالف والمزور .

الإسلام دين الله، أكبر من أن يُختزل في حزب أو يُسجن في حدود دولة او تيار، والخطر ليس في وجود الإسلام في المجال العام، بل في احتكار تفسيره من قبل السلطة لمصالحها .

ومن المهم ان نفهم أن الحل ليس فصل الدين عن الحياة، بل فصل الدين عن الإستغلال السياسي.

عندما يعود المسجد مستقلاً لا يأتيه تعميم كل خميس، وعندما تعود الفتوى حرة لا تُكتب في مكاتب الأمن، وعندما تصبح القيمة فوق المصلحة، حينها فقط يعود الإسلام مصدر نهضة لا مبرراً للاستبداد

“لا إكراه في الدين” ليست آية عقائدية فقط، بل هي أعظم مبدأ سياسي لحماية الدين من المتاجرين به. 

اللهم أرنا الحق حقٍا وارزقنا اتباعه.. وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.