تتجدد معاناة سكان العاصمة الجنوبية عدن مع اشتداد حرارة الصيف، وتتجدد معها التساؤلات حول جدوى السياسات المتبعة لإدارة قطاع الطاقة.. ومع كل أزمة خانقة، تبرز “الحلول الترقيعية” كخيار وحيد لمواجهة انهيار المنظومة، وهي حلول تعتمد في مقامها الأول على المنح والمساعدات الخارجية المؤقتة، دون التأسيس لمعالجات جذرية ومستدامة.
لغة الأرقام: فجوة واسعة وعجز مستمر:
أعلنت المملكة العربية السعودية مؤخراً عن تقديم منحة مالية بقيمة 150 مليون دولار مخصصة لدعم تشغيل نحو 70 محطة كهرباء في ما يسمى “المحافظات المحررة”. ورغم أن الرقم قد يبدو كبيراً للوهلة الأولى، إلا أن إخضاعه للعمليات الحسابية والواقع العملي يكشف عن حجم المأساة وضآلة الأثر المتوقع على المدى المتوسط.
إذا كانت الكلفة التشغيلية لكهرباء عدن بمفردها تُقدر بنحو 55 مليون دولار شهرياً، فإن المنحة كاملة بالكاد تغطي احتياج عدن لثلاثة أشهر فقط لو وُجهت إليها بالكامل.
حصة عدن: معادلة حسابية معقدة:
بما أن المنحة ليست حكراً على عدن، بل تتقاسمها 70 محطة توليد تتوزع على عدة محافظات، فإن حصة العاصمة المؤقتة ستتقلص بشكل كبير بناءً على سيناريوهات التوزيع المحتملة:
سيناريو التوزيع المتساوي: إذا قُسمت المنحة بالتساوي على الـ 70 محطة، ستحصل كل محطة على قرابة 2.14 مليون دولار. وبما أن عدن تضم مجموعة من هذه المحطات (مثل محطة الحسوة، المنصورة، وخورمكسر، وبترومسيلة)، فإن إجمالي حصة المدينة قد يتراوح بين 15 إلى 25 مليون دولار فقط، وهو مبلغ لا يغطي كلفة تشغيل كهرباء المدينة لنصف شهر !.
سيناريو التوزيع حسب القدرة الإنتاجية: نظراً لأن محطات عدن هي الأكبر استهلاكاً للوقود والأعلى في التوليد، فقد تحظى بنسبة تتراوح بين 30% إلى 40% من إجمالي المنحة. في هذه الحالة، ستحصل عدن على ما يقارب 45 إلى 60 مليون دولار، وهي كمية وقود تكفي لتأمين الطاقة لفترة تتراوح بين 25 إلى 33 يوماً فقط.
مسكنات مؤقتة لجسد منهك:
تؤكد هذه القراءة الرقمية أن المنح الخارجية رغم أهميتها في منع الانهيار الشامل للمنظومة خلال أسابيع الصيف الحرجة، لا تعدو كونها “مسكنات مؤقتة” لا تجدي نفعاً على المدى الطويل.
إن الاعتماد على الهبات لتوفير الوقود في ظل منظومة متهالكة تعاني من ضياع شبكات التوزيع وضآلة الإيرادات المحلية التي لا تغطي كلفة تشغيل يوم واحد هو استنزاف للموارد وتأجيل للمشكلة الحقيقية.
إن الحل لا يكمن في انتظار المنحة القادمة بل في الانتقال من مربع “الإغاثة” إلى مربع “التنمية والاستدامة”؛ عبر الاستثمار في محطات التوليد بالغاز أو الطاقة الشمسية لتقليل كلفة الإنتاج الباهظة، وإصلاح شبكات النقل والتوزيع، وتفعيل نظام جباية صارم يحول قطاع الكهرباء من عبء مالي يستنزف الدولة إلى قطاع يحقق الاكتفاء الذاتي. ودون ذلك، ستظل كهرباء عدن تدور في حلقة مفرغة عنوانها الأبرز: حلول ترقيعية لأزمات مستدامة.
