مرة أخرى، يعود الصدى يتردد في شوارع عدن، كأن المدينة تحاول أن تذكّر نفسها بأن الجرح لم يندمل بعد، وأن الظلام الذي تسببه انقطاع الكهرباء ليس مجرد انقطاع للتيار، بل مرآة تعكس ظلماً أعمق وأكثر امتداداً.

رصاصات تمزق الصمت، لا لحماية أحد، بل لخنق صوتٍ كان يستحق أن يُسمع، وإسكات مطلبٍ كان أبسط من أن يُواجه بالسلاح.

 ذلك المطلب هو كهرباء تضيء البيوت، ماء يتسرب من الصنبور، وكرامة لا تُنتهك.

 لكن الرد جاء وكأن الذاكرة لم تتعاف بعد من مشاهد الأمن المركزي، وكأن دماء الحراك السلمي التي أريقت في الساحات لم تكن درساً كافياً لأحد.

استمرار القمع يُعمّق الجراح

 إن استمرار خنق الناس بالكهرباء – أي حرمانهم قسراً من أبسط مقومات الحياة – ليس مجرد إهمال خدمي، بل هو عقاب جماعي يزرع اليأس ويُغذي الغضب.

 وكل يوم يمر والمدن تغرق في الظلام، تتآكل ذاكرة التضحيات وتتحول المطالب المحقة إلى ثورة وجود.

والأخطر من ذلك: استمرار إسكات الأصوات بالرصاص يكرس ثقافة القمع ويحوّل الاحتقان المتراكم إلى بركان يوشك على الانفجار.

 الرصاصة اليوم تصنع مئة ثائر غداً، وكل محاولة لخنق حرية التعبير بالسلاح تتحول إلى وقود لمطالب أوسع وأعتى.

الشهداء لم يسقطوا ليُحرم الجنوب

الشهداء الذين لم يسقطوا ليُعيش الجنوب في لحظة كهذه من الانتكاسة، يستفيق الجنوب اليوم على سؤال موجع هو هل سقط شهداء تحرير عدن وبقية محافظات الجنوب من مليشيات الحوثي وعلي عبدالله صالح لكي يُحرم شعبهم اليوم من الكهرباء والماء؟ هل قدّموا أرواحهم لكي يُقمع الجنوب من جديد، ويُعاد إليه ذات الصوت الذي ثار عليه من قبل؟

هؤلاء الشهداء لم يسقطوا لتُطفأ مدنهم، ولا لتُهان كرامة أهاليهم، ولا ليُستبدل احتلال بآخر أو قمع بآخر.

 سقطوا ليكون الجنوب حراً كريماً، لا ليعود إلى دائرة الألم ذاتها.

الوجوه تتغير والرصاصة لا تتغير

رحل عفاش ، لكن العقلية والأسلوب بقيا.

 تتغير الوجوه وتتعدد الشعارات، لكن الرصاصة هي الرصاصة، والعصا ووالسجون هي ذاتها.

 مجلس القيادة الرئاسي وحكومته اختاروا الطريق الأسهل والأقصر عمراً فبدلاً من الإصغاء للمطالب، رفعوا البنادق. 

وبدلاً من إنهاء ظلام الكهرباء، أشعلوا نار الاحتقان.

الجنوب لا يُسكت بالرصاص

الجنوب ليس أرضاً ترهبها الطلقات، إنه مكان تعلّم أن الصمت خيانة، وأن الكرامة لا تُهان. كل اعتقال يصنع ألف محتج، وكل طلقة تفتح شارعاً جديداً للغضب، وكل محاولة لإسكات الناس تتحول إلى وقود لمطلب أشد وضوحاً.

محاذير عاجلة

 القمع لا يطفئ غضب الشارع بل يوسّعه، ولا يُبرد المطلب بل يحوّله إلى إصرار لا ينكسر.

 إن الاستمرار في حرمان الناس من الكهرباء وقمع احتجاجاتهم بالرصاص هو وصفة مضمونة لانهيار أي سلطة، وتحويل الجنوب إلى ساحة صراع لا تُحمد عقباه. 

من ظن أن قطع الكهرباء يخنق شعباً، فليعلم أنه يخنق نفسه بعزلة لا تنتهي. ومن راهن على أن الرصاص يكتم أنفاس الإصلاح، فقد خسر الرهان. 

الجنوب الذي لا يُهزم

شعب الجنوب لم يقدّم شهداءه ليعيش في الظلام، ولا ليُقمع، ولا ليُحرم من أبسط مقومات الحياة. 

سقطوا ليكون الجنوب حراً، ولأن الحرية حين تولد لا تعود إلى رحم الخوف.

 رصاص اليوم لن يهزم شعباً صمد في وجه جيوش، ولن يخمد صوتاً خرج من بين الركام. فالجنوب، كما يعرفه الجميع، لا يُهزم بالرصاص.