في الوقت الذي تتعالى فيه بعض الأصوات مطالبةً بتنحي الرئيس عيدروس الزبيدي والتخلي عن المجلس الانتقالي الجنوبي، يبرز سؤال جوهري يستحق الإجابة قبل إطلاق مثل هذه الدعوات: ما هو البديل؟

إن من حق أي شخص أن يختلف مع قيادة سياسية أو ينتقد أداءها، فذلك جزء من العمل السياسي الطبيعي، لكن المسؤولية الوطنية تقتضي أن يقترن النقد بطرح بديل واقعي وقادر على حمل المشروع السياسي الذي يدافع عنه أصحابه. أما الاكتفاء بالمطالبة بإسقاط القيادة أو حل المكون السياسي دون تقديم رؤية واضحة لما بعد ذلك، فإنه يثير الكثير من علامات الاستفهام.

لقد شهد العالم خلال السنوات الماضية ملايين الجنوبيين وهم يحتشدون في الساحات والميادين في مناسبات مختلفة، معلنين تمسكهم بالمجلس الانتقالي الجنوبي وتجديد تفويضهم للرئيس عيدروس الزبيدي. وهذه الحشود لم تكن حدثاً عابراً أو موقفاً مؤقتاً، بل جاءت في محطات متعددة لتؤكد وجود قاعدة شعبية واسعة ما زالت ترى في المجلس الانتقالي الممثل السياسي الأبرز للقضية الجنوبية.

ومن هنا يحق للمواطن الجنوبي أن يتساءل: هل لدى الذين يدعون إلى تنحي الزبيدي واستبدال المجلس الانتقالي مكون سياسي جاهز يحظى بالإجماع الشعبي الجنوبي؟ وهل يمتلك هذا المكون القدرة على توحيد الصف الجنوبي وتمثيل القضية في المحافل الإقليمية والدولية؟ أم أن الأمر لا يتجاوز مجرد تصريحات إعلامية تذهب مع الرياح دون مشروع واضح أو قاعدة جماهيرية حقيقية؟

إن التجارب السياسية علمتنا أن هدم الموجود أسهل بكثير من بناء البديل، وأن الشعوب لا تقاس بالشعارات وإنما بالقدرة على التنظيم والتمثيل والحضور الشعبي. ولذلك فإن أي دعوة للتغيير يجب أن تكون مصحوبة برؤية متكاملة ومشروع سياسي واضح المعالم، لا بمجرد شعارات أو مواقف انفعالية.

ولا يعني ذلك أن المجلس الانتقالي أو قيادته فوق النقد أو المراجعة، فكل عمل بشري قابل للتقييم والتطوير، لكن الفرق كبير بين الدعوة إلى الإصلاح والتطوير، وبين الدعوة إلى هدم المكون السياسي الذي يلتف حوله قطاع واسع من أبناء الجنوب دون تقديم بديل يحظى بالثقة والقبول الشعبي.

إن المرحلة الراهنة تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والمسؤولية، لأن القضية الجنوبية أكبر من الأشخاص وأعظم من الخلافات الفردية. وما دامت الجماهير الجنوبية لا تزال تخرج بالملايين لتعلن موقفها وتمسكها بخيارها السياسي، فإن احترام إرادة هذه الجماهير يظل أساس أي عمل سياسي جاد ومسؤول.

29 مايو 2026م