تتساءل النفس أحيانًا عن سر ذلك النفور الذي يعتري الوجدان حين يرى مظاهر لا تمت إلى جذورنا بصلة، ولماذا تصبح تلك الأهازيج والأنماط الثقافية التي تحاول فرض سطوتها على ذائقتنا أشبه بغريب يحاول اقتحام بيت لا يعرف طقوسه.
الحكاية ليست مجرد ذوق شخصي، بل هي حكاية جذور. نحن الذين نشأنا على صدى أرض الجنوب، وتعلمنا في مدرسته الثقافية أن للفن وقارًا، وللبرع هيبة، وللكلمة ميزانًا يزن الشموخ قبل النطق به. إن موروثنا ليس مجرد ترف، بل هو عمارة روحية شيدها أجدادنا بدمائهم وأخلاقهم، فلا عجب أن نشعر بالغربة أمام كل ما هو “دحباشي”. فاللهجات لديهم لا تتقن لغة عزة نفسنا، والغناء عندهم لا يترنم بإيقاع أرواحنا، والشخوص التي يتم تصديرها كرموز لا تجد لها مكانًا في سجلات النبل الذي تربينا عليه.
إن هذا النفور ليس كراهية عمياء، بل هو حارس أمين لبوابة هويتنا. نحن لا نستسيغ هذا العبث لأنه ببساطة لا يشبهنا. إننا نحترم خصوصية كل أرض، لكننا نطالب بحقنا في حماية أراضينا الروحية من طوفان الموروث الذي يحاول صهرنا في قوالب لا تليق بنا.
سيبقى ذوقنا وفيًا لما تربينا عليه، وستبقى أرواحنا حصنًا يرفض ما هو دخيل. فالهوية التي لا نحميها من أنفسنا، لن يرحمها الزمن إذا ما سمحنا للغريب بأن يسكن فينا.
نحن والشموخ صنوان، لا يقبلان التبديل.
