تغيرت قواعد الدبلوماسية الدولية التقليدية بشكل جذري، وتحولت قمم الكبار من منصات للتنسيق الاستراتيجي والابتسامات البروتوكولية إلى مسارح للمواجهة المباشرة.

 لم يعد المشهد في أروقة قمة السبع مجرد خلاف طبيعي في وجهات النظر، بل تجسيداً حياً لنهج سياسي أمريكي يعتمد على فرض الإرادة، والصدمة، والتعامل بفوقية لم تعهدها العواصم الأوروبية من حليفها التاريخي في واشنطن.

ترمب المتكبر: الدبلوماسية بأسلوب الصفقات:

يدير الرئيس الأمريكي دونالد ترمب العلاقات الدولية بعقلية “رجل الأعمال” الذي يرى العالم من خلال منطق الربح والخسارة، وموازين القوى المجردة من العواطف السياسية.

 هذا الأسلوب يترجمه نقاده كنوع من “التكبر السياسي”، حيث يتعمد إظهار فائض القوة الأمريكية أمام قادة الدول الأخرى.

 بالنسبة لترمب الهيبة الشخصية والقدرة على فرض الشروط هي أساس التفاوض، وهو ما يفسر سلوكه الحاد وتعمده كسر البروتوكولات الدبلوماسية التقليدية لإشعار الطرف الآخر بأنه في موقف الضعيف مجبراً الجميع على الخضوع لقواعده الخاصة.

شعار “أمريكا اولا” :تفكيك إرث التحالفات القديمة:

تحت لافتة “أمريكا أولاً”، أعادت واشنطن تعريف مفهوم التحالفات؛ فلم يعد حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو الشراكة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي ثوابت غير قابلة للمس.. يرى ترمب أن هذه الكيانات متعددة الأطراف ما هي إلا أدوات تستنزف الموارد الأمريكية وتستغل دافعي الضرائب في الولايات المتحدة لحماية قارة غنية ترفض دفع فواتيرها الدفاعية كاملة.

 بناءً على هذه الرؤية تحول الشعار من وعد انتخابي داخلي إلى أداة ضغط خارجي ومبرر لفرض الرسوم الجمركية القاسية والتراجع عن الالتزامات الدولية المشتركة.

سخريات ترمب: سيكولوجية الإهانة العلنية:

لعل الملمح الأكثر إثارة للجدل هو تعمد ترمب استخدام السخرية والتهكم العلني كأداة سياسية لإحراج القادة الأوروبيين.. من الانتقادات اللاذعة الموجهة لفرنسا وألمانيا بشأن ميزانيات الدفاع، إلى التعبيرات الساخرة المباشرة التي تلت قمة إيفيان وحرب التصريحات حول الملف الإيراني والأوكراني.

 يستخدم الرئيس الأمريكي منصاته الإعلامية وتصريحاته المرتجلة لإضعاف الموقف السياسي لنظرائه الأوروبيين أمام شعوبهم. هذه السخريات المتكررة استراتيجية مقصودة لتقويض الجبهة الأوروبية الموحدة واختبار مدى قدرتها على الصمود أو تقديم التنازلات.

قارة تبحث عن نفسها:

تضع هذه الفوقية الأمريكية قادة القارة العجوز أمام مرآة الحقيقة، فالاعتماد المطلق على المظلة الأمنية والاقتصادية الأمريكية بات موضع شك كبير. 

وفي ظل الفوضى السياسية والانقسامات الحالية يبدو أن أوروبا باتت مجبرة -أكثر من أي وقت مضى- على التخلي عن صدمتها من الأسلوب الأمريكي والبدء في صياغة استراتيجية دفاعية واقتصادية مستقلة تضمن لها البقاء كلاعب دولي وليس مجرد تابع في سيناريو تكتبه واشنطن وحدها.