المجتمع الذي يكذب على نفسه طويلاً يفقد القدرة على النقد الذاتي، فلا يعود قادراً على تشخيص مشكلاته أو الاعتراف بأخطائه. ومن لا يرى مرضه لا يستطيع أن يبحث عن علاج له.
المشكلة لا تكمن في وقوع المجتمعات في الخطأ، فذلك جزء طبيعي من مسيرتها، بل في بناء روايات وأوهام تبرر الإخفاقات وتمنع مراجعة الذات. ومع الوقت يصبح التشكيك في هذه الروايات أمراً مرفوضاً، ويُنظر إلى من يكشف العيوب أو يدعو للإصلاح باعتباره خصماً لا ناصحاً.
لقد شهد التاريخ انهيار حضارات لم يكن سبب سقوطها قوة أعدائها بقدر ما كان عجزها عن رؤية واقعها كما هو. فحين يُسمّى الضعف قوة، والتخلف أصالة، والجمود ثباتاً، يفقد المجتمع بوصلته ويغلق أبواب التطور أمام نفسه.
الكذب على مستوى الأفراد على النفس قد ينتهي بلحظة صحوة، أما الكذب الجماعي فهو أخطر، لأنه يتحول إلى ثقافة عامة تدافع عن الوهم وتقاوم الحقيقة، حتى يصبح الإنكار نفسه جزءاً من المشكلة.
