لا تحتاج الأوطان إلى عدوان خارجي لكي تسقط وتتحول إلى ركام، فالطريق الأسرع والأنفذ لتدمير أي بلد وتفكيك مفاصله يكمن في قاعدة ذهبية واحدة:
“توسيد الأمر إلى غير أهله” : إن المشهد المعاش اليوم في الجنوب يمثل تجسيداً حياً وصادماً لهذه القاعدة، حيث تحولت التعيينات الإدارية والعسكرية من آلية لبناء مؤسسات الدولة إلى معول لهدم ما تبقى من أساساتها، عبر تجاوز معايير الكفاءة والشهادة والتأهيل لصالح الولاءات الضيقة والمجاملات والمحسوبية.
عسكرة بلا عقيدة: ورتب رفيعة بلا ميادين:
إن أولى مظاهر هذا الانهيار تتبدى في القطاع العسكري والأمني الذي يُفترض أن يكون صمام الأمان لأي بلد. فاليوم يرى الجميع قادة عسكريين يحملون رتباً رفيعة ونياشين براقة، دون أن يكون لهم أي صلة بالعلوم العسكرية أو ينالوا شرف التأهيل في الكليات الحربية والمعاهد المتخصصة.
إن منح الرتب العسكرية كـ”هبات” أو “مكافآت” بقرارات سياسية وقبلية لا ينتج جيشاً قادراً على حماية الأرض، بل يخلق قيادات هشة عاجزة عن إدارة المعارك والملفات الأمنية المعقدة، مما ينعكس سلباً على استقرار البلاد ويهدد دماء الجنود في الميادين.
المؤسسات الحكومية: مناصب قيادية بلا مؤهلات:
في الجانب الإداري تبدو الصورة أكثر قتامة؛ حيث غصت الدوائر والمؤسسات الحكومية الحيوية بمسؤولين ومدراء عامين لا يحملون أي شهادات علمية أو مؤهلات إدارية تؤهلهم لإدارة قطاعات تخدم آلاف المواطنين.
عندما يتربع غير المؤهل على كرسي القرار، يتحول المرفق الحكومي من أداة لخدمة المجتمع إلى مرتع للعشوائية، وتجفيف الموارد، وتأسيس الفساد.
يغرق المواطن في أزمات الكهرباء، والمياه، والصحة، والتعليم، ليس لشح الإمكانيات دائماً، بل لأن من يدير هذه الملفات الحساسة عاجز عن فهم لغة الأرقام، والتخطيط الاستراتيجي، والإدارة الحديثة.
البدائل: تدمير العقول وضياع الأجيال:
ولعل الجريمة الأكبر والأخطر التي ترتكب بحق المستقبل تقع في قطاع التعليم.. فمع هجرة المعلمين الفعليين أو غيابهم، برزت ظاهرة “المعلمين البدلاء” الذين معظمهم فشلوا أصلاً في مسيرتهم الدراسية، ليتحولوا فجأة إلى مربين لأجيال الغد.
إن وضع فاقد الشيء في موقع العطاء داخل الفصول الدراسية هو تدمير ممنهج لعقول الأطفال والشباب، وتجهيل متعمد للمجتمع من منبعه.. فالتعليم الفاشل لا ينتج إلا طبيباً يقتل المريض، ومهندساً يهدم المبنى، وموظفاً يجهل القانون، وهو المسمار الأخير في نعش التنمية والاستقرار.
*لابد من المراجعة من اجل البقاء:”
إن مكمن الخطر في اسناد مناصب لأشخاص لا يستحقونها ومسؤوليات ليسوا أهلا لها.
ولا يمكن لأي حزب أو مكون سياسي أن يقنع الشعب أو الإقليم والعالم بأهليته لإدارة دولة مستقبلية، وهو يعتمد على “شلة” من غير المؤهلين لإدارة الحاضر.
إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه يتطلب ثورة تصحيحية فورية وشجاعة؛ تبدأ بـتطهير السلك العسكري من الرتب الوهمية، وإبعاد غير المؤهلين عن كراسي الإدارة الحكومية، وإعادة الاعتبار للمعلم الحقيقي. إن لم يتم تفعيل مبدأ “الرجل المناسب في المكان المناسب” بناءً على الكفاءة والنزاهة والشهادة، فإن الانهيار الشامل سيكون هو النتيجة الحتمية التي لن ينجو منها أحد.
