منذ سنوات طويلة، وأبناء الجنوب يعيشون حالة من التناقض السياسي الغريب والعجيب، تناقض يكشف حجم الهوة بين ما يُقال في الخطابات الرسمية وما يُمارس على أرض الواقع.

فالجهات التي تُسمى بالشرعية قبلت بالشراكة مع المجلس الانتقالي الجنوبي وفق مبدأ المناصفة، واعترفت ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ بوجود قضية جنوبية عادلة، وأصبحت هذه القضية حاضرة في مختلف الحوارات والاتفاقات والخطابات السياسية المحلية والإقليمية والدولية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: إذا كانت القضية الجنوبية معترفاً بها سياسياً، فلماذا يُعاقَب شعب الجنوب جماعياً حتى اليوم؟

إن ما يعانيه المواطن الجنوبي من انهيار للكهرباء، وتأخر الرواتب، وتردي الخدمات، وانهيار العملة، وارتفاع الأسعار، ليس مجرد أزمات عابرة، بل أصبح واقعاً يومياً يرهق الناس ويضاعف معاناتهم بصورة لا تُحتمل.

لقد تحولت حياة المواطن الجنوبي إلى معركة يومية من أجل البقاء، في ظل صيف خانق بلا كهرباء، ورواتب لا تكفي لسد أبسط الاحتياجات، وخدمات تكاد تكون معدومة، بينما تستمر الوعود والخطابات دون حلول حقيقية تلامس حياة الناس.

والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن شعب الجنوب يشعر بأن سياسة العقاب الجماعي لم تتوقف منذ حرب صيف 1994، بل أخذت أشكالاً متعددة عبر السنوات. فمنذ تلك الحرب، تعرض الجنوب ـ بحسب رؤية أبنائه ـ لسياسات الإقصاء والتهميش ونهب الثروات وتدمير المؤسسات وتسريح الكوادر العسكرية والمدنية، وصولاً إلى الوضع المأساوي الذي يعيشه اليوم.

ورغم كل ذلك، ظل شعب الجنوب متمسكاً بقضيته وهويته وإرادته السياسية، وقدم التضحيات الكبيرة دفاعاً عن أرضه وكرامته وحقه في تقرير مصيره.

إن معاناة الناس اليوم لم تعد تحتمل المزيد من المناورات السياسية أو إدارة الأزمات، بل تحتاج إلى قرارات شجاعة ومسؤولة تضع حداً لهذا الانهيار المتواصل، وتنصف المواطن الذي أصبح يدفع ثمن الصراعات والتجاذبات السياسية منذ عقود.

فلا يمكن الحديث عن شراكة سياسية حقيقية في الوقت الذي يعيش فيه شعب الجنوب تحت وطأة الأزمات والعقوبات الجماعية والخدمات المنهارة. كما لا يمكن لأي عملية سياسية أن تنجح ما لم يشعر المواطن البسيط بأن هناك دولة تحترم إنسانيته وتصون حقوقه وتوفر له أبسط مقومات الحياة الكريمة.

وسيظل أبناء الجنوب يتساءلون: كيف يتم الاعتراف بالقضية الجنوبية سياسياً، بينما يبقى المواطن الجنوبي هو الضحية الأولى لكل هذا العبث والمعاناة؟