لمن يجادلون في تسمية “الجنوب العربي”.. قراءة تاريخية في الجغرافيا والهوية السياسية

يردد البعض تساؤلات واعتراضات حول تسمية “الجنوب العربي”، متجاهلين أن الأمر لا يتعلق بشعار سياسي طارئ، بل بحقيقة تاريخية وجغرافية موثقة سبقت قيام الجمهورية العربية اليمنية نفسها بعقود طويلة.

فالجنوب العربي كان توصيفًا سياسيًا وجغرافيًا قائمًا على أرض الواقع، يضم سلطنات وإمارات ومشيخات تمتد جذورها لمئات السنين، وبعضها يعود تاريخه إلى أكثر من 750 عامًا، وكانت تربطها حدود دولية واضحة مع المملكة المتوكلية اليمنية منذ اتفاقيات عام 1914 المعروفة بحدود “النواحي التسع”.

كما أن قضية الجنوب العربي لم تظهر بعد عام 1990 أو عقب حرب 1994، بل كانت حاضرة رسميًا في أروقة الأمم المتحدة منذ عام 1959، حين ناقشت اللجنة الرابعة الخاصة بتصفية الاستعمار قضية شعب الجنوب العربي وحقه في الاستقلال. وشكلت الأمم المتحدة لجانًا لتقصي الحقائق التقت بمختلف القوى السياسية والاجتماعية الجنوبية، وانتهت توصياتها إلى ضرورة منح الاستقلال لشعب الجنوب العربي ضمن حدوده الجغرافية والسياسية المعروفة.

وتشير الوثائق المرتبطة بمفاوضات جنيف للاستقلال خلال نوفمبر 1967 إلى أن بريطانيا كانت تتفاوض – وفق المرجعيات الدولية – حول استقلال “الجنوب العربي”، باعتباره الكيان الخاضع لمسؤوليتها الدولية، وليس أي مسمى آخر جرى تداوله لاحقًا في إطار الصراعات الأيديولوجية والسياسية التي أعقبت الاستقلال.

كما أن تغيير اسم الدولة بعد الاستقلال إلى “جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية” لم يغيّر من حقيقة الجغرافيا السياسية التي قامت عليها الدولة الجديدة، إذ ظلت قائمة على حدود ومساحات الجنوب العربي التاريخية المعروفة دوليًا.

ويؤكد كثير من الباحثين والمهتمين بتاريخ الجنوب أن الجدل حول التسمية يتجاوز البعد اللغوي، ليعكس صراعًا أعمق متعلقًا بالهوية السياسية وحق الشعوب في تعريف نفسها وفق تاريخها ومسارها الوطني، بعيدًا عن محاولات الإلغاء أو فرض الهويات بالقوة السياسية أو العسكرية.