في يوم الجمعة، 9 يناير 2026، عندما كانت شمس الرياض تقترب من المغيب خلف ناطحات السحاب، كان ثمة مشهد آخر يغيب في أروقة السياسة؛ مشهدُ كيانٍ سياسي ملأ الدنيا وشغل الناس لسنوات. بقرارٍ خاطف، أُعلن “حل المجلس الانتقالي الجنوبي”، ليرتطم الخبر بآمال الشارع الجنوبي كصاعقةٍ في سماءٍ صافية.

لم يكن القرار مجرد حلٍ لهيكل تنظيمي، بل كان لحظةً فارقة وضعت “القضية الجنوبية” على مقصلة التحولات الكبرى. فهل نحن أمام “خيانة” لمشروع استعادة الجنوب، أم أنها عملية جراحية ضرورية لولادة “الجنوب الجديد” من رحم التسوية الدولية؟

الحوثيون: رقصة على “جراح الخصوم”:

لم يتأخر صدى القرار في صنعاء! فبالنسبة لجماعة الحوثي، يمثل حل الانتقالي “انتصاراً غير مباشر”.. ويرى محللون في “مركز صنعاء للدراسات” أن الجماعة ستستثمر هذا التفكك لتعزيز سرديتها بأن “التحالف يتخلي عن أدواته”.

تكتيكياً: قد يسعى الحوثيون لاستمالة القيادات العسكرية الجنوبية “المحبطة” التي قد تشعر بالتهميش.

 أما سياسياً: فيرى الحوثيون أن غياب كيان موحد وقوي مثل “الانتقالي” يضعف الجبهة المقابلة في مفاوضات الحل النهائي، مما يمنحهم تفوقاً في فرض شروطهم على طاولة “اليمن الموحد” بصيغتهم الخاصة.

الميدان.. من سيضبط الإيقاع؟

التحدي الأبرز يظل عسكرياً، فالقوات التي كانت تأتمر بأمر “رئاسة الإنتقالي في التواهي” باتت اليوم في منطقة رمادية. 

وتشير تقارير استقصائية إلى مخاوف جديّة من نشوء “جيوب مقاومة” ترفض الانصياع للقرار، مما قد يحول الجنوب إلى ساحة صراع بين “الشرعية الجديدة” والمتمسكين بـ “الشرعية الثورية”.

سراب “مؤتمر الحوار” أم قارب النجاة؟

هنا يبرز التساؤل الملحّ حول “مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل” الذي بُشّر به كبديل؛ فهل يمتلك هذا المؤتمر القدرة فعلياً على سد الفراغ الهائل الذي تركه المجلس؟

إن الواقع يشير إلى “فجوة ثقة” عميقة.. فبينما يراهن الخارج على صيغ توافقية تجمع النخب في غرف مغلقة، يظل الشارع الجنوبي متمسكاً بـ “الشرعية الثورية” التي تعمدت بالدم.

 إن التوفيق بين نخب الطاولات المستديرة وشارع يقدس التضحيات الميدانية هو المهمة المستحيلة، ما قد يدفع الجماهير لتجاوز “المتحاورين” والبحث عن قيادات ميدانية بديلة تعيد رسم المسار بعيداً عن أروقة الرياض.

*هل ضاعت البوصلة؟:

يبقى السؤال المعلق فوق مآذن عدن وشواطئها: هل كان حل الانتقالي هو “الممر الإجباري” نحو الدولة، أم أنه كان الفخ الأخير في لعبة الأقليم؟ الحقيقة الوحيدة الآن هي أن القضية الجنوبية دخلت نفقاً جديداً، مخرجه الوحيد هو قدرة الجنوبيين على تحويل “الانكسار التنظيمي” إلى “انتصار سياسي” يفرض نفسه على طاولة التسوية السياسية، قبل أن تبتلع التسويات الكبرى حلم الدولة الجنوبية الذي طال انتظاره.