*- شبوة برس – خاص

اطلع محرر “شبوة برس” على مقال للدكتور ربيع العايدي من المملكة الأردنية الهاشمية، تناول فيه فتوى تحريم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وناقش أبرز الأدلة التي يستند إليها المانعون، مؤكدًا أن الاحتفال بالمولد يدخل، وفق رؤيته، في أبواب الخير والطاعات إذا خلا من المحظورات الشرعية.

ويبدأ العايدي بمناقشة الاستدلال بأن الاحتفال بالمولد لا يكون طاعة لأنه لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة، ويرى أن هذا الفهم يضيّق باب الخير؛ لأن أصول الطاعات أرشد إليها القرآن والسنة، بينما لا يلزم أن ترد كل صورة من صور الخير بنص خاص.

ويستشهد لذلك بما حدث في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجمع القرآن بعد مقتل عدد كبير من القراء في اليمامة. وتردد أبو بكر في البداية لأنه أمر لم يفعله رسول الله، فقال له عمر: “هو والله خير”، حتى شرح الله صدر أبي بكر لذلك. ويرى العايدي أن هذه الواقعة تؤكد أن عدم فعل النبي لأمر معين لا يجعله محرمًا إذا كان داخلًا في الخير الذي أقرته الشريعة.

ويضيف أن الاحتفال بالمولد يتضمن جملة من أعمال الخير، منها الثناء على الله، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة سيرته، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، وتعريف الناس بأخلاقه وشمائله، معتبرًا أن هذه الأعمال في أصلها مشروعة، وأن اجتماعها في مناسبة واحدة لا يحولها إلى محرمة.

ويستدل كذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن صيام يوم الاثنين فقال: “ذلك يوم ولدت فيه”، ويرى أن الحديث يدل على خصوصية يوم مولده، وأن النبي ربط العبادة في هذا اليوم بذكرى ولادته.

كما يشير إلى أن القرآن الكريم تحدث عن مواليد عدد من الأنبياء، ومنهم آدم ويحيى وعيسى عليهم السلام، بما يدل، بحسب رأيه، على أن الحديث عن ميلاد الأنبياء وذكره ليس أمرًا ممنوعًا في ذاته.

ويناقش العايدي حديث “إنه ليس شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم إلى النار إلا قد نهيتكم عنه”، والذي استند إليه الألباني في منع المولد، ويرى أن الحديث يتحدث عن الأوامر والنواهي الشرعية، ولا يعني أن كل صورة من صور النوافل وأعمال الخير لا بد أن يرد فيها نص خاص.

ويستدل في المقابل بحديث “من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها”، ويرى أن الحديث يفتح باب فعل الخير، وأن حمله على مجرد إحياء سنة قديمة لا يستقيم مع لفظ “سن”، خصوصًا أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم في حديث آخر لفظ “من أحيا سنة من سنتي” عندما أراد التعبير عن إحياء السنة.

ويرى العايدي أن الجمع بين الروايتين يوضح أن “سن سنة حسنة” أوسع من مجرد إحياء سنة سابقة، وأن الفعل الجديد إذا كان مندرجًا تحت أصول الخير ولا يخالف نصًا شرعيًا يمكن أن يدخل في هذا الباب.

كما يناقش استدلال المانعين بقول الله تعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم”، معتبرًا أن الآية تتحدث عن كمال الدين وتشريعاته وأصوله، وليس معناها أن كل وسيلة أو صورة من صور الطاعات يجب أن تكون قد وقعت في عصر النبوة بالشكل نفسه.

ويضرب مثالًا بجمع القرآن، وتنقيط المصحف وتشكيله وتجليده، وجمع الناس على صلاة التراويح في عهد عمر، وغيرها من الأعمال التي لم تقع بهذه الصورة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها لم تُعتبر زيادة في الدين لأنها لم تضف عقيدة أو عبادة مستقلة، وإنما جاءت في إطار خدمة الدين وتنظيم أعمال مشروعة.

كما يتوقف عند قول الإمام مالك المنسوب إليه: “من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة”، ويناقش الرواية من جهتين؛ الأولى أن في سندها كلامًا، والثانية أن حملها على إطلاقها لا ينسجم، بحسب رأيه، مع أعمال استحسنها الصحابة والتابعون والعلماء ولم تكن موجودة بالصورة نفسها في عهد النبي.

ويشير إلى أن الإمام مالك نفسه كان يفعل بعض الأمور تعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم واحترامًا لمكانته، مثل تحري الوضوء عند مجالس العلم، ونُقل عنه تعظيمه للمدينة النبوية، ويرى أن هذه الممارسات لم تكن واردة بنص خاص على صورتها.

كما يلفت إلى أن عبارة “يراهـا حسنة” الواردة في بعض صيغ مقولة الإمام مالك ليست ثابتة في جميع الروايات، معتبرًا أن إضافة هذه العبارة استُخدمت لتأكيد رفض مفهوم “البدعة الحسنة”.

ويستشهد العايدي كذلك بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح: “نعم البدعة هي”، ويرى أن هذا النص دليل على أن لفظ “البدعة” لا يحمل دائمًا معنى التحريم، وأن المقصود بالبدعة المذمومة هو ما خالف النصوص وأصول الشريعة، بينما يمكن أن يكون الفعل جديدًا من حيث الصورة لكنه مشروع من حيث الأصل.

ويخلص الدكتور ربيع العايدي إلى أن الخلاف حول المولد ينبغي أن يُبحث ضمن قواعد الاجتهاد والخلاف الفقهي، لا أن يتحول إلى تبديع أو تفسيق للمسلمين. ويرى أن الاحتفال بالمولد إذا اقتصر على قراءة السيرة النبوية، والصلاة والسلام على النبي، وذكر شمائله وفضائله، وإطعام الطعام وسائر أعمال الخير، فإنه يندرج في الأعمال المشروعة التي تحث عليها الشريعة.

ويؤكد أن معيار الحكم، وفق طرحه، ليس مجرد السؤال عما إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل الفعل بهذه الصورة أم لا، وإنما النظر في مضمون الفعل: فإن كان خيرًا ومشروعًا في أصله ولم يتضمن محظورًا شرعيًا، فلا يصح تحريمه لمجرد كونه اتخذ صورة أو مناسبة لم تكن موجودة في العهد النبوي.