*- شبوة برس – خاص
في ذكرى مولد سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وآله الأطهار الطيبين، تقف الكلمات عاجزة أمام مقامٍ لا يشبهه مقام، وتضيق اللغة عن حمل مشاعر المحبة والامتنان لنبي أخرج الله به الإنسانية من ظلمات الجهل إلى نور الهداية، ومن قسوة الجاهلية إلى رحاب الرحمة ومكارم الأخلاق.
إنها ذكرى ميلاد رسولٍ أحبته القلوب قبل أن تراه العيون، وتعلقت به الأرواح قبل أن تعرف تفاصيل سيرته. وكلما عدنا إلى سيرته العطرة، شعرنا أن المسافة بيننا وبين ذلك الزمن تختصرها لحظة تأمل في رحمته، وتواضعه، وعفوه، وصدقه، وأمانته، وحلمه على من أساء إليه.
وما أجمل أن نستحضر في هذه المناسبة أبيات أمير الشعراء أحمد شوقي، حين أطل على ميلاد المصطفى بقصيدةٍ فاضت حباً وإجلالاً:
**وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ
وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ**
**الرُّوحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ
لِلدِّينِ وَالدُّنيا بِهِ بُشَراءُ**
**وَالعَرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي
وَالمُنتَهى وَالسِّدرَةُ العَصماءُ**
**وَحَديقَةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُّبا
بِالتُّرجُمانِ شَذِيَّةٌ غَنّاءُ**
**وَالوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلًا مِن سَلسَلٍ
وَاللَّوحُ وَالقَلَمُ البَديعُ رُواءُ**
ثم يأخذنا شوقي من عظمة الميلاد إلى عظمة صاحب الرسالة، فيقول:
**يا خَيرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً
مِن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا**
**بِكَ بَشَّرَ اللهُ السَّماءَ فَزُيِّنَت
وَتَضَوَّعَت مِسكًا بِكَ الغَبراءُ**
**يَومٌ يَتيهُ عَلى الزَّمانِ صَباحُهُ
وَمَساؤُهُ بِمُحَمَّدٍ وَضّاءُ**
وإذا كان مولده صلى الله عليه وآله الأطهار الطيبين نوراً أشرق على الدنيا، فإن أعظم ما بقي من أثره هو أخلاقه التي صنعت القلوب قبل أن تصنع التاريخ.
وهنا تبلغ قصيدة شوقي ذروة جمالها حين يقول:
**يا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهْوى العُلا
مِنها وَما يَتَعَشَّقُ الكُبَراءُ**
**زَانَتكَ في الخُلُقِ العَظيمِ شَمائِلٌ
يُغْرى بِهِنَّ وَيُولَعُ الكُرَماءُ**
**فَإِذا سَخَوتَ بَلَغتَ بِالجودِ المَدى
وَفَعَلتَ ما لا تَفعَلُ الأَنواءُ**
**وَإِذا عَفَوتَ فَقادرًا وَمُقَدَّرًا
لا يَستَهينُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ**
**وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ
هَذانِ في الدُّنيا هُما الرُّحَماءُ**
**وَإِذا أَخَذتَ العَهدَ أَو أَعطَيتَهُ
فَجَميعُ عَهدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفاءُ**
ما أروع أن نتذكر هذه المعاني في زمنٍ كثرت فيه الخصومات، وقست فيه القلوب، وأصبح الإنسان أحوج ما يكون إلى رحمةٍ تشبه الرحمة التي حملها رسول الله إلى العالمين.
لقد كان صلى الله عليه وآله الأطهار الطيبين قريباً من الضعفاء، رفيقاً بالفقراء، حانياً على اليتيم، عفوّاً عند المقدرة، صادقاً في وعده، أميناً في معاملته، حتى غدت سيرته مدرسة إنسانية لا تنتهي دروسها.
وفي مولده، لا ينبغي أن تكون فرحتنا مجرد ذكرى عابرة، بل فرصة لأن نسأل أنفسنا: كم أخذنا من أخلاقه؟ كم فينا من رحمته؟ وكم بقي من صدقه وأمانته وعفوه في تعاملنا مع الآخرين؟
إن محبة رسول الله ليست كلمات تُقال، ولا قصائد تُنشد فحسب، وإنما أخلاق تُمارس وسلوك يُرى، ورحمة تمتد إلى الناس، وصدق لا يتغير بتغير المصالح.
ويعود شوقي في نهاية قصيدته إلى الدعاء والتضرع:
**يا مَن لَهُ عِزُّ الشَّفاعَةِ وَحدَهُ
وَهُوَ المُنَزَّهُ ما لَهُ شُفَعاءُ**
**ما جِئتُ بابَكَ مادِحًا بَل داعيًا
وَمِنَ المَديحِ تَضَرُّعٌ وَدُعاءُ**
سلامٌ عليك يا رسول الله، يوم وُلدت، ويوم حملت رسالة ربك، ويوم أتممت مكارم الأخلاق، ويوم بقي اسمك في أفئدة المحبين نوراً لا يخبو.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار الطيبين، وصحبه أجمعين، صلاةً تملأ القلوب محبة، والأرواح سكينة، والأيام بركة.
“كل عام وقلوب المحبين عامرة بالصلاة على المصطفى محمد صلى الله عليه وآله الأطهار الطيبين.”
