في مأثور الحِكم الغابرة قيل دائماً إنَّ “مَن استعان بالرياح لترتيب أوراقه قد تذروه العواصف في غير موصل”.. يبدو أن هذه القاعدة الذهبية ما تزال تحكم تفاصيل المشهد في جغرافيا بالغة التعقيد، حيث تُدار اللعبة السياسية أحياناً بعقلية “الموسم الحاضر” دون النظر إلى عواقب الخريف المقبل.
لقد جرت العادة في حسابات البيادر (الأوصار) أن يتم ضبط الموازين وفقاً لثقل الشوالات وحجم المحصول؛ وحين تندفع خيول الطموح صيفاً نحو شعاب “الوادي” دون قراءة دقيقة لحسابات الطقس وتوقعات الأرصاد السائدة عند الجيران، يكون الانكسار سريعاً، فتغيب الرايات وتتفكك سيطرة القوة التي اعتقدت يوماً أن الأرض قد دُينت لها من أقصاها إلى أقصاها.
ويكون ذلك سوء تقديرٍ واضحاً لكلفة الاندفاع، دفع ثمنه الكيان المنظم الذي طالما ملأ الساحة صخباً وتأثيراً.
لكن وفي المقابل فإن العلاج الذي جُرّب لإطفاء ذلك الحريق بدا وكأنه صبٌّ للزيت على بقايا الجمر.. إذ هرع “أهل الحل والعقد” إلى اتباع سياسة بذر الشتلات العشوائية في الطين ظناً منهم أن تفريخ النَّبْتِ الصغير الضعيف وتعديد اللافتات في ساحات المشرق والوادي سيكسر شوكة الشجرة الأصلية ويضمن هدوء البستان.
إن هذه الحسابات الآنية وإن حققت غرضها الموقوت في إزاحة الخصم اللدود وإعادة رسم خطوط الطول والعرض، إلا أنها تغفل عن حقيقة جيوسياسية مريرة:
النبتة التي لا تملك جذوراً عميقة في الهوية والعقيدة لا يربطها بالزارع سوى “ماء السقيا”. فإذا ما شحّ المطر أو قلّ الاهتمام أو تقاسمت الأيدي هباتها، فإن هذه الكيانات الطفيلية لن تتردد في الانحناء مع أول ريح غريبة تهب من وراء الحدود، بل قد تتحول سريعاً إلى أشواك تدمي يد الساقي نفسه.
الخطورة الكامنة في هذه الصنائع المستعجلة أنها لا تملك ثباتاً في الولاء ولا عمقاً في الالتزام؛ بل هي أشبه بـ “شيوخ مواسم” يتحركون حيثما مالت الكفة المادية وتوفر الدعم.
وفي بيئة مفتوحة على صراع الإرادات والمحاور، يسهل جداً على المتربصين في الضفة الأخرى التقاط هذه الأوراق المتناثرة وإعادة شرائها بـ “ثمن بخس دراهم معدودة”، لتحويلها من أدوات حراسة إلى مخالب هدم تُهدد القريب قبل البعيد.
إن تفتيت الكيان الصلب واستبداله بركام من التشكيلات الهشة والعشوائية لم يكن حلاً بقدر ما كان تأجيلاً للأزمة وبناءً لبيئة سيالة لا يمكن التنبؤ بمساراتها.
وغداً عندما تتبدل فصول الحكاية وتتكشف النوايا المستورة خلف لافتات القبيلة والمنطقة، قد يكتشف الرعاة أنهم أطعموا بأيديهم من سيقود القطيع نحو الهاوية، وأن المطبخ الذي صُنع فيه “الحل المؤقت” هو نفسه الذي يُطبخ فيه اليوم “الخطر المستقبلي”.
