المولد النبوي.. خلاف فقهي لا يبرر التبديع والتنازع
*- شبوة برس – خاص
تُعد مسألة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم، ولذلك لا يصح تقديمها باعتبارها مسألة محسومة باتجاه واحد، أو تحويلها إلى معيار للحكم على إيمان الناس وصلاحهم. وخلاصة الدراسة التي أعدها عبد الفتاح قديش اليافعي أن الاحتفال بالمولد له صور متعددة، منها ما هو ممنوع باتفاق، ومنها صورة أخرى وقع فيها خلاف معتبر بين العلماء.
فالصورة الممنوعة هي أن يصاحب الاحتفال شيء من المحرمات، كالاختلاط المحرم، أو استخدام المعازف المحرمة، أو الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم بما يخرجه عن مقام النبوة إلى ما هو من خصائص الألوهية والربوبية. وهذه أمور محرمة بصرف النظر عن ارتباطها بالمولد أو بأي مناسبة أخرى.
أما الصورة التي وقع فيها الخلاف، فهي أن يجتمع المسلمون لقراءة السيرة النبوية والشمائل، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإنشاد ما كان مباحًا من القصائد في مدحه وحبه، والوعظ والتذكير وإطعام الطعام. وقد أجاز هذه الصورة عدد كبير من العلماء، بينما كرهها آخرون، ما يجعلها من مسائل الخلاف الفقهي التي لا ينبغي أن تتحول إلى سبب للخصومة والتباغض.
ويستند المجيزون إلى أن الأعمال التي يتضمنها الاحتفال، في أصلها، أعمال مشروعة ومستحبة، كقراءة السيرة والصلاة على النبي وإطعام الطعام والصدقة والوعظ والتذكير بفضائله وشمائله. ومن ثم يرون أن اجتماع هذه الأعمال في مناسبة يتذكر فيها المسلمون مولد النبي صلى الله عليه وسلم لا يجعلها محرمة لمجرد اجتماعها في وقت معين، ما دامت خالية من المحرمات.
ومن أبرز ما يستدل به المجيزون أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن صيام يوم الاثنين قال: “ذلك يوم ولدت فيه”، وهو ما يفهم منه عندهم مشروعية إظهار الشكر لله على نعمة مولده صلى الله عليه وسلم بالطريقة التي تدل عليها الشريعة. كما يستأنسون بحديث عاشوراء، حين صام النبي صلى الله عليه وسلم يوم نجاة موسى عليه السلام، معتبرين أن تعظيم يوم ارتبط بنعمة إلهية من حيث الشكر لله أصل له اعتبار في الشريعة.
ويستأنس المجيزون كذلك بما ورد في القرآن والسنة من الاهتمام بأحداث ومناسبات ارتبطت بالأنبياء، وبما ذكره عدد من العلماء في شأن الاحتفاء بمناسبات النعم الإلهية. كما أشار بعض أهل العلم إلى قصة أبي لهب وفرحه بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وما ورد في شأن تخفيف العذاب عنه يوم الاثنين، وإن كانت هذه الرواية وما يتعلق بدلالتها محل بحث بين العلماء.
وفي مقابل ذلك، يرى المانعون أن تخصيص يوم للمولد لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا السلف، وأن ذلك يدخل في باب البدع. غير أن المجيزين يجيبون بأن ترك النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة لفعل معين لا يعني بالضرورة تحريمه، ما لم يرد نص يمنعه، مستدلين بأعمال ظهرت بعد عصر النبوة وأجمع المسلمون على مشروعيتها، مثل جمع القرآن في مصحف واحد، وإنشاء الدواوين، وتدوين العلوم الشرعية وتصنيفها.
كما يرد المجيزون على القول بأن كل تخصيص لزمان أو مكان في العبادة بدعة، بأن هذه المسألة نفسها محل خلاف بين أهل العلم، وأن التخصيص لا يكون ممنوعًا بمجرده إذا لم يُعتقد أن التخصيص سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يصادم نصًا شرعيًا صريحًا.
ومن المهم هنا التفريق بين الاحتفال بوصفه وسيلة لتذكير الناس بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه وقراءة شمائله وإطعام الطعام، وبين الممارسات التي تتضمن محرمات أو غلوًا. فالحكم لا ينبغي أن يبنى على الاسم وحده، وإنما على مضمون الفعل وما يصاحبه.
وتؤكد الدراسة أن عددًا من كبار العلماء عبر عصور مختلفة أجازوا الاحتفال بالمولد بهذه الصورة، وكتب بعضهم مؤلفات خاصة في المولد والسيرة، بينما كان لعلماء آخرين موقف مخالف أو متحفظ. وهذا التنوع التاريخي يؤكد أن المسألة ليست حديثة ولا يمكن اختزالها في اتهام طرف بالجهل أو الانحراف.
أما تسفيه من يحتفل بالمولد أو اتهامه بالضلال لمجرد اختياره قولًا فقهيًا قال به علماء معتبرون، فهو تجاوز لطبيعة الخلاف الفقهي. وفي المقابل، لا يصح إلزام من لا يرى الاحتفال به أو تخويفه أو اتهامه بعدم محبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فمحبة الرسول لا تنحصر في صورة واحدة من صور التعبير عنها.
والخلاصة أن الاحتفال بالمولد النبوي بالصورة الخالية من المحرمات والغلو مسألة خلافية معتبرة، وقد قال بجوازها علماء لهم مكانتهم في التراث الإسلامي، بينما كرهها أو منعها علماء آخرون. ولذلك فإن الأولى أن تكون المناسبة مجالًا لقراءة السيرة والصلاة على النبي والتذكير بأخلاقه ورسالته وإطعام الطعام، لا مناسبة للتنازع والتبديع وتبادل الاتهامات.
فالاختلاف في هذه المسألة لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة بين المسلمين، ولا إلى مبرر لتسفيه المخالف، بل الأولى أن يُحترم الخلاف الفقهي، وأن يبقى الجامع الأكبر هو محبة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع هديه والاقتداء بأخلاقه.
