منذ ما يقارب الأحد عشر عاماً، يعيش أبناء المحافظات الجنوبية واقعاً مريراً يمتزج فيه الحرمان بالفساد الممنهج، تحت مظلة سلطة تُسمي نفسها “الشرعية”.
غير أن هذه “الشرعية” غادرت الأرض والواقع منذ زمن طويل لتستقر في إقامة دائمة ومترفة داخل فنادق الرياض وعواصم العالم، تاركةً شعباً بأكمله يتجرع الأزمات اليومية، ويفتقر لأبسط مقومات الحياة الإنسانية والخدمية.
إن المفهوم السياسي والأخلاقي لأي حكومة يسقط تماماً عندما تتحول إلى أداة ارتهان للخارج تنفذ أجندات إقليمية لا تخدم تطلعات الداخل، مقابل مخصصات مالية وإعاشات باهظة تُقدر بعشرات ملايين الدولارات تُنفق على مسؤوليها المغتربين.
وفي المقابل يواجه المواطن الجنوبي حرباً معيشية شعواء تتصدرها سياسة تجويع ممنهجة ناتجة عن انهيار تاريخي مستمر للعملة والاقتصاد، وسط صمت وتواطؤ مريب من هذه المنظومة التي تحولت في نظر الشارع إلى ما يشبه العصابة المنظمة لإدارة الأزمات لا لحلها.
على الأرض تترجم هذه المعاناة في غياب شبه تام للخدمات الأساسية؛ حيث يعيش المواطنون في ظلام دامس جراء الانهيار الكارثي لقطاع الكهرباء، وانعدام المياه والمستلزمات الطبية.. هذا التدهور ليس عفوياً، بل يرافقه حصار خانق في ملف الطاقة والمحروقات تُغذيه التقطعات المستمرة والمفتعلة التي تطال شاحنات الغاز والوقود القادمة من مأرب، والتي تديرها شبكات نفوذ تتربح من معاناة الناس.
هذا الانفلات الخدمي يتوازى مع غياب شبه تام للأمن، وانتشار الفوضى والتقطعات التي باتت تهدد حياة المسافرين وحركة التجارة.
إن الشرعية الحقيقية لا تُصنع في أروقة الفنادق ولا تمنحها الصكوك الإقليمية، بل تُنتزع من عدالة القضية والوقوف مع الشعب في خندق المعاناة.. وبقاء هذه السلطة في الخارج، مستثمرة في عذابات الجنوبيين ومقايضةً بحقوقهم، يجردها من أي مشروعية سياسية أو قانونية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن ما يسمى بـ”الشرعية” ليست سوى واجهة لفساد هيكلي عميق، وأن الحل لن يبدأ إلا بإنهاء هذا الارتهان، وإعادة القرار لأبناء الأرض لإدارة مقدراتهم وإنقاذ مجتمعهم من براثن هذا الانهيار المفروض عليهم.
