شبوة برس – تعليق سياسي
لم تعد أزمة الكهرباء والمياه والغاز في الجنوب مجرد إخفاق إداري أو عجز حكومي عابر، بل تحولت إلى نموذج صارخ لما يمكن وصفه بـ”التعذيب بالخدمات”، حيث يُترك ملايين المواطنين تحت رحمة الحر والعطش والظلام، بينما تستمر سلطة الأمر الواقع في إدارة المشهد بالعقلية ذاتها التي أنتجت الأزمة وأطالت عمرها.
ففي الوقت الذي تتدفق فيه الإيرادات والثروات من حضرموت وشبوة وعدن، ينام الأطفال على الأرصفة، وتفترش العائلات الشوارع هرباً من جحيم المنازل، ويواجه المرضى وكبار السن مصيراً قاسياً في ظل انقطاع الكهرباء لساعات طويلة. أما الطلاب فيخوضون امتحاناتهم وسط ظروف أقرب إلى المعاناة الإنسانية منها إلى البيئة التعليمية الطبيعية.
الأخطر أن السلطة التي تمارس القتل البطئ لم تعد تكتفي بالفشل، بل باتت تتعامل مع الخدمات وكأنها أدوات للضبط والإخضاع، تُمنح حيناً وتُحجب حيناً آخر، فيما تتسع الهوة بين معاناة الناس ورفاهية المسؤولين المقيمين في الفنادق والقصور والمكاتب المكيفة.
وفي المكلا كما في عدن، لم يعد الغضب الشعبي مجرد احتجاج على انقطاع الكهرباء، بل أصبح رفضاً لواقع كامل من الإهمال والفساد وانعدام المساءلة. فالشعوب قد تصبر على الأزمات، لكنها لا تصبر على الاستهتار بمعاناتها أو تحويل حياتها اليومية إلى سلسلة متواصلة من الإذلال.
لقد وصلت الرسالة من ساحة العروض إلى شوارع المكلا: الناس لا يطالبون بالمستحيل، بل بحقهم في الحياة. وإذا كانت السلطة عاجزة عن توفير أبسط مقومات العيش الكريم، فإن استمرارها في إدارة المشهد لم يعد حلاً للأزمة، بل أصبح جزءاً أساسياً منها.
إن الكهرباء والمياه والغاز ليست امتيازات تمنحها الحكومات للمواطنين، بل حقوق أصيلة لا تستقيم الحياة بدونها. وحين تتحول هذه الحقوق إلى أدوات ضغط وعقاب جماعي، فإن القضية تتجاوز حدود الفشل الخدمي لتصبح قضية كرامة وإنسان وحق شعب في إدارة موارده ومستقبله بعيداً عن الوصاية والفساد والعبث المستمر.
#شبوة_برس
