طرح أبو بكر القربي صيغة “الإدارة الذاتية للمحافظات” كجسر انتقالي للحفاظ على وحدة اليمن. ويبدو الطرح مغريًا نظريًا؛ إذ إن تفويض صلاحيات الخدمات والتنمية قد يخفف عبء المركز العاجز، ويمنح المواطن شعورًا بإدارة شؤونه المحلية. لكن بين الفكرة والتطبيق فجوات عميقة تجعل المقترح أقرب إلى إدارة للأزمة لا إلى حل جذري لها.

فالمبادرة تراهن على “شرعية توافقية” في وقت تغيب فيه أي أرضية حقيقية للتوافق. كما أن قانون السلطة المحلية صيغ أصلًا لدولة مركزية تحتكر القرار والموارد، لا لبلد بات مقسمًا عمليًا بين سلطات متعددة ومراكز نفوذ متصارعة. ومنح صلاحيات إدارية للمحافظات دون إعادة تعريف الجهة التي تحتكر السلاح والمال والنفوذ، قد يؤدي إلى إنتاج نسخ متعددة من الفشل القائم بدلًا من تجاوزه.

كما يكشف توقيت الطرح عن أبعاده السياسية؛ إذ يأتي قبيل حراك ومؤتمرات جنوبية مرتقبة، ما يجعله يبدو محاولة استباقية لاحتواء مطالب فك الارتباط أو مشروع “الإقليم الجنوبي الواحد” عبر تقديم صيغة أقل من سقف التطلعات الجنوبية. ومثل هذه الحلول لا يمكن أن تنجح ما لم تقترن باعتراف سياسي واضح بجذور المشكلة، وآلية تفاوض حقيقية، وضمانات دستورية تضمن تنفيذ أي اتفاق مستقبلي. وبدون ذلك، ستتحول الإدارة الذاتية إلى مجرد لامركزية شكلية لا تمس جوهر الأزمة.

لماذا الآن؟

التوقيت لا يبدو منفصلًا عن السياق السياسي الإقليمي والدولي. فمع تعثر الحسم العسكري، وعجز مختلف الأطراف عن فرض واقع نهائي بالقوة، تعود الحلول الإدارية إلى الواجهة باعتبارها مخرجًا مؤقتًا. كما أن الضغوط الإقليمية والدولية نحو “تسوية شاملة” و”وقف إطلاق نار دائم” تجعل من الإدارة الذاتية صيغة قابلة للتسويق سياسيًا؛ فهي تحافظ على شكل الدولة الموحدة، وفي الوقت ذاته تمنح الأطراف المحلية هامشًا أوسع لإدارة مناطقها.

غير أن الإشكالية الأعمق، بحسب كثير من الجنوبيين، تكمن في أن معظم النخب السياسية اليمنية ما تزال تطرح حلولًا هدفها الأساسي الحفاظ على الوحدة، بينما تتجاهل حقيقة أن مناطق واسعة في اليمن تخضع لسيطرة جماعة الحوثي. وفي المقابل، يُنظر إلى الجنوب باعتباره المساحة الوحيدة المتاحة لإعادة إنتاج نفوذ الأحزاب والقوى التقليدية، دون الاعتراف بحق أبناء الجنوب في تقرير مصيرهم عبر الاستفتاء أو أي آلية سياسية متفق عليها.

وتؤكد التجارب المقارنة أن اللامركزية الناجحة تحتاج إلى دولة مركزية قوية بما يكفي للحفاظ على وحدة البلاد، ومرنة بما يكفي لمنح السلطات المحلية صلاحيات حقيقية. واليمن اليوم لا يبدو قادرًا على تحقيق هذه المعادلة المعقدة.

في المحصلة، تفتح رؤية القربي بابًا مهمًا للنقاش حول شكل الدولة ومستقبل السلطة، لكنها تبقى ناقصة ما لم تجب بوضوح عن السؤالين الأكثر حساسية: من يملك القرار الأمني؟ ومن يتحكم بتوزيع الثروة والموارد؟