*- شبوة برس – تقرير خاص
تعرض ميناء المخا على الساحل الغربي لليمن خلال الأيام الماضية لموجة متصاعدة من الهجمات الحوثية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في تصعيد يستهدف واحداً من أهم الموانئ القريبة من مضيق باب المندب، ويهدد ما تبقى من نشاطه التجاري والاقتصادي.
وبحسب ما أوردته مصادر حكومية وإعلامية، فقد تعرضت مدينة المخا وميناؤها في 9 أغسطس لهجوم واسع شاركت فيه صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وقالت القوات الحكومية إن الهجوم شمل 10 صواريخ باليستية و4 طائرات مسيّرة، فيما تمكنت الدفاعات الجوية من إسقاط 11 مسيّرة حوثية خلال الهجوم. وأسفرت الضربات عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة نحو 30 آخرين، بينهم عسكريون ومدنيون.
ولم تتوقف الهجمات عند ذلك، إذ جدد الحوثيون قصف الميناء في 12 أغسطس بصاروخين باليستيين أصابا الرصيف البحري، بينما تحدثت مصادر عن أضرار إضافية طالت منشآت الميناء. وأظهرت صور ومشاهد لاحقة اتساع حجم الأضرار في الأرصفة والمنشآت التشغيلية، ومبنى تابع للجمارك وسكن الموظفين ومعدات الحفر البحري وخزانات داخل الميناء.
وفي 14 أغسطس، عاد الحوثيون إلى استهداف مدينة المخا بستة صواريخ، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الحكومية، ما أدى إلى مقتل أربعة مدنيين، في مؤشر على استمرار التصعيد وعدم اقتصاره على ضربة واحدة أو هدف عسكري محدد.
وتشير تصريحات وزير النقل اليمني إلى أن ميناء المخا تعرض خلال موجة التصعيد الأخيرة لما لا يقل عن 25 ضربة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مؤكداً أن الهجمات أحدثت دماراً وأضراراً واسعة في الجانب الاقتصادي من الميناء، وطالت منشآت ومرافق جرى تأهيلها وتجهيزها خلال الفترة الماضية.
وكان حجم الخسائر المتراكمة للميناء قد بلغ، وفق تصريحات سابقة لمديره، نحو 800 مليون دولار حتى فبراير 2026 نتيجة الهجمات الحوثية السابقة وفترات التوقف الطويلة، قبل أن تضيف الهجمات الأخيرة أضراراً جديدة إلى منشأة اقتصادية لم تستعد كامل عافيتها بعد. لكن التطور الأكثر إثارة للتساؤل لا يتعلق بحجم الضربات الحوثية وحده، بل بطريقة تعامل القوات التابعة للحكومة اليمنية معها.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة والقوات المسلحة عن امتلاكها القدرة العسكرية على الرد وإسكات مصادر التهديد، لم يظهر حتى الآن رد جوي حكومي متناسب مع حجم الهجوم الذي تعرض له ميناء المخا، فيما اقتصر ما أعلن عنه رسمياً بصورة أساسية على عمل الدفاعات الجوية والاشتباكات والردود البرية في بعض الجبهات.
وهنا يبرز سؤال عسكري وسياسي مشروع: إذا كانت الحكومة اليمنية تمتلك سلاح الطيران والقدرة على تنفيذ ضربات جوية، فلماذا لم تستخدمه لضرب منصات إطلاق الصواريخ ومواقع الطائرات المسيّرة ومخازن الأسلحة الحوثية التي تستهدف المخا بصورة متكررة؟
المفارقة أن الهجوم الحوثي لم يكن مفاجئاً تماماً؛ فالمخا وميناؤها يقعان على خط مواجهة معروف، والحوثيون سبق أن استهدفوا المنطقة، كما أن الهجمات الأخيرة جاءت في سلسلة متتابعة، ما يضع مسألة الردع أمام اختبار واضح.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن عدم الإعلان عن غارات جوية يثبت عدم امتلاك الحكومة للطيران أو عدم استخدامها له في عمليات غير معلنة، لكن غياب رد جوي معلن وموثق يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول طبيعة القرار العسكري، وحدود استخدام القوة الجوية، ومن يملك قرار توجيهها.
فالمشكلة لم تعد في قدرة الحوثيين على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة فقط، وإنما في قدرتهم على تكرار الضربات ضد منشأة استراتيجية واقتصادية قريبة من باب المندب، بينما يظل الرد الحكومي أقل من مستوى التصعيد.
ومع استمرار استهداف الميناء، فإن الخطر يتجاوز الأضرار المادية المباشرة إلى تعطيل أحد الممرات البحرية المهمة على الساحل الغربي، وإلحاق أضرار إضافية بالاقتصاد وحركة التجارة والإمدادات، وهو ما يجعل حماية ميناء المخا مسؤولية عسكرية واقتصادية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد حادث أمني عابر.
وفي المحصلة، تكشف الهجمات المتكررة أن معادلة الردع على الساحل الغربي لا تزال مختلة: الحوثيون يملكون القدرة على الوصول إلى أهداف حيوية بالصواريخ والمسيّرات، فيما تبدو قدرة الطرف المقابل على الردع والهجوم المضاد موضع سؤال مفتوح ينتظر إجابة عملية، لا بيانات سياسية.
