في المشهد يظهر فصلاً جديداً من فصول “البروباغندا” والتصعيد الكلامي، حيث يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن ترتيبات عسكرية لـ “معركة حسم” وشيكة ضد جماعة الحوثي.
تأتي هذه الموجة عقب التوترات الإقليمية البارزة وقصف مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية وما تلاه من تهديدات حوثية بفرض حصار على الصادرات.
إلا أن القراءة الواقعية للميدان والتاريخ القريب تؤكد أن هذه الجلبة ليست سوى “زوبعة في فنجان”، ولن تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى تسوية أو هدنة جديدة، تماماً كما تتبخر تهديدات القوى الدولية الكبرى كالولايات المتحدة دون تغيير حقيقي على الأرض.
شماعة “الانتقالي” وتعرية المبررات:
لسنوات طويلة دأبت القوى المهيمنة على معسكر ما يسمى بـ “الشرعية الشمالية” على تعليق فشلها وعجزها العسكري على شماعة المجلس الانتقالي الجنوبي مدعية أنه الطرف المعرقل لأي تحرك جاد صوب صنعاء.
ومع خروج الانتقالي من المشهد العسكري والسياسي مطلع عام 2026 وحل أوراقه، تبخرت تلك الذريعة الواهية، ووقفت هذه القوى عارية أمام الحقيقة المرّة: أين هو الحسم إذن؟
الواقع أن غياب الحسم بعد غياب الانتقالي أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن العائق لم يكن يوماً في عدن، بل في العواصم التي تحتضن قادة هذه الشرعية، وفي غياب العقيدة القتالية والإرادة الحقيقية لخوض المعركة.
أمراء الحرب ومكاسب “الشرعية النقدية”:
الحقيقة التي يتجنب الكثيرون طرحها علناً هي أن أقطاب هذه الشرعية من مسؤولين، وقادة عسكريين، ومشايخ نفوذ لا يرغبون حقيقة في إنهاء الحرب أو تحقيق الحسم العسكري.
لقد تحولت الحرب بالنسبة لهؤلاء إلى “تجارة استثمارية” تدر ملايين الدولارات.
مادامت المملكة العربية السعودية مستمرة في احتضان هذه النخب في فنادقها ومقراتها، وتغدق عليهم الميزانيات الضخمة والمخصصات الشهرية، فلماذا يستعجلون النصر؟.
إن انتهاء الحرب يعني بالنسبة لهم انقطاع شبكات المصالح الفاسدة وفقدان الامتيازات والمناصب،ك والعودة إلى واقع يمني مرير يتساوون فيه مع المواطن المطحون.
لقد باتت المتاجرة بالأزمة الإنسانية ومعاناة الشعب اليمني هي البضاعة الرابحة في سوق “شرعية الفنادق”.
الحسم الحقيقي: الوصفة الإجبارية:
إن أي تجهيزات عسكرية حالية لن تتعدى كونه تحسين شروط تفاوضية أو مناوشات استنزافية لذر الرماد في العيون. الحسم العسكري الحقيقي والفعلي لن يتحقق بالشعارات، بل يمر عبر استراتيجية واحدة وحازمة تقودها دول التحالف، وتحديداً السعودية، وتتمثل في الآتي:
1- طرد وتطهير العواصم: إنهاء حقبة “النضال من الفنادق” عبر طرد كافة المنتسبين للشرعية من مسؤولين حكوميين، وقادة عسكريين، وأفراد عائلاتهم، ومشايخ القبائل الموالين.
2- النفير الإجباري إلى الجبهات: الزج بهؤلاء القادة والمشايخ وأتباعهم ﴿إجبارياً وبقوة القانون العسكري﴾ في الصفوف الأمامية للمعارك ليربطوا مصيرهم الشخصي ومصالحهم بنتيجة الميدان.
3- الإسناد العسكري الحازم: دفع هذه القوات إلى الأمام، على أن تتولى القوات السعودية والتحالف مهام الإسناد اللوجستي والتغطية الجوية والمدفعية من خلفهم لضمان عدم التراجع أو الخيانة.
ما لم تُرفع يد الدعم المالي الأعمى عن نخب تعيش على فتات أرباح الحرب، فإن جماعة الحوثي ستستمر في التمدد كقوة يصعب القضاء عليها، وتخشى القوى الإقليمية مواجهتها بشكل مباشر خوفاً على منشآتها واقتصادها.
الحسم يبدأ من تنظيف معسكر الشرعية أولاً، وإجبار تجار الحروب على قيادة المعركة بأنفسهم أو التنحي ليصنع الشعب مصيره بعيداً عن مزارد الاستثمار السياسي.
