كلما قرأت إعلانًا من قبيل: “اسألوا كل من بدأ هذه الرقية كيف تغيرت حياته”؛ ازددت يقينًا بأن كثيرًا من الناس يخلطون بين الإيمان وبين الإيحاء النفسي.

إن تغيُّر حال الإنسان بعد اتباع طريقةٍ ما، لا يدل على صحة تلك الطريقة؛ وإلا لصحَّت آلاف الخرافات التي يزعم أصحابها أنهم تعافوا بها.

فالطب الحديث يعرف أثرًا مشهورًا يُسمَّى “العلاج الوهمي” (Placebo)، وهو تحسُّنٌ قد يقع بسبب اقتناع المريض بالعلاج، لا بسبب وجود أثرٍ حقيقيٍّ فيه، وإلا لصَدَّقْنا أن الكتب السماوية المحرفة التي تُتلى على المصروعين والمعتلِّين فيتعافَون، هي كُتُبُ حقّ!

أما القرآن المجيد؛ فلم يصف نفسه – قَطُّ – بأنه كتابٌ لمعالجة الأمراض العضوية أو الاضطرابات النفسية، ولا بأنه يُقرأ على الماء والزيت أو يُنفث به على الناس، وإنما وصف نفسه بأنه هدًى وموعظةٌ ورحمةٌ وشفاءٌ لما في الصدور؛ من الشك والكفر والنفاق والضلال.

كما لم يُعرَف عن النبي الكريم ﷺ أنه جمع الناس وقرأ عليهم القرآن ونفث، أو قرأ في ماءٍ أو زيتٍ وسقاه الناس!

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين﴾ [يونس: 57].

وقال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82].

ولو كان الشفاء المقصود بالشفاء هنا هو شفاء الأبدان أو الأنفُس، ما خَسِرَ الظالمون به؛ لأن الأجساد واحدة.

ولو كان القرآن علاجًا ماديًّا للأبدان أو للأمراض النفسية بمجرد تلاوته؛ ما بقي في بلاد المسلمين مستشفًى واحد، وما احتاج الناس إلى طبيبٍ أو دواء.

ويحدث هذا بين المسلمن مع أليم الأسى والأسف، في حين ان القرآن العظيم جاء ليحرر العقول، لا ليحولها رهائنَ لتجارب شخصية، ودعايات عاطفية، وادعاءات لا تقوم على برهان.

ومن أراد أن يَنسُبَ إلى كتاب الله أثرًا لم ينسبه – سبحانه – إلى ذاته المتقدِّسة؛ فليأتِ بدليلٍ من القرآن، لا بقصصٍ من قبيل: “جرِّب، وسترى كيف تتغير حياتك”، فالدين لا يُبنى على الانطباعات، وإنما على الوحي والبرهان.