ما يجري خلف الكواليس قد يكون أكبر بكثير مما يظهر في المشهد الإعلامي. وإذا كانت المؤشرات المتداولة تعكس جانباً من الواقع، فإنها قد تفسر أسباب التعثر المتكرر في التوصل إلى تفاهمات شاملة بشأن الجنوب، رغم جولات الوساطة والاتصالات الإقليمية المستمرة.
اللافت أن المواقف المعلنة حتى الآن لا تعكس بالضرورة حجم النقاشات التي تدور في الغرف المغلقة، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل محافظتي “حضرموت والمهرة”، اللتين تبدوان اليوم في قلب حسابات إقليمية ودولية معقدة.
“البوصلة تتجه شرقاً”
تشير العديد من المؤشرات إلى أن محافظتي حضرموت والمهرة لم تعودا مجرد مساحة جغرافية بعيدة عن خطوط المواجهة، بل تحولتا إلى محور استراتيجي تتقاطع عنده المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية. فالمحافظتان تمتلكان موقعاً جغرافياً استثنائياً، وثروات، وعمقاً استراتيجياً يجعل منهما ورقة ذات أهمية كبيرة في أي تسوية مستقبلية.
ومن هذا المنطلق، يرى بعض المراقبين أن هناك محاولات لإعادة صياغة وضع هاتين المحافظتين ضمن ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، بما يضمن نفوذاً طويل الأمد لبعض القوى الفاعلة في المشهد. وهو ما يفسر جانباً من حدة التجاذبات حولهما.
“جمود معلن… ومفاوضات لا تتوقف”
يوحي المشهد الحالي بحالة من الجمود السياسي، لكنه في الوقت ذاته لا يخلو من حراك دبلوماسي مكثف يجري بعيداً عن الأضواء، بما في ذلك مسارات الوساطة الإقليمية التي تحاول تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة.
وفي المقابل، لا تبدو مواقف القوى اليمنية الرئيسية متطابقة. فهناك من يرى أن الحكومة الشرعية تبدي مرونة تجاه بعض المقترحات المطروحة، بينما يواصل “المجلس الانتقالي الجنوبي” إعلان رفضه لأي ترتيبات يعتبرها انتقاصاً من قضية الجنوب. في حين يظل موقف “جماعة الحوثي” عاملاً مؤثراً في أي اتفاق محتمل، سواء من خلال القبول أو التعطيل.
“عندما تتصل الأحداث ببعضها”
عند قراءة التطورات السياسية بالتوازي مع التصريحات الأخيرة الصادرة عن الحوثيين، ومع التحركات الميدانية التي شهدتها بعض المناطق، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في ظاهرها. فقد لا تكون هذه الأحداث منفصلة، بل قد تمثل حلقات ضمن سياق سياسي أوسع لم تتضح معالمه بالكامل بعد.
ورغم أن كثيراً من هذه التحليلات يبقى في إطار القراءة والاستنتاج، فإن تزامن التحركات السياسية والعسكرية والدبلوماسية يدفع إلى طرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة المرحلة المقبلة.
السؤال الذي يفرض نفسه
هل يقف اليمن على أعتاب مرحلة جديدة من إعادة تشكيل توازناته السياسية والجغرافية، يكون شرق البلاد عنوانها الأبرز؟ أم أن ما يجري لا يزال مجرد أوراق تفاوض تستخدم لتحسين شروط الأطراف قبل الوصول إلى تسوية شاملة؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن حضرموت والمهرة لم تعودا مجرد محافظتين، بل أصبحتا محوراً رئيسياً في أي معادلة سياسية قد ترسم مستقبل البلاد.
كلمة أخيرة
إن أي محاولات لإعادة رسم الجغرافيا أو فرض ترتيبات منقوصة على الجنوب ،وخصوصٱ في حضرموت والمهرة، هي محاولات عبثية ومصيرها الفشل..الجنوب قضية شعب قدم التضحيات ،ولا يحق لأي طرف إقليمي أو دولي تجاوز إرادته.
المعادلة واضحة: لا استقرار في اليمن دون اعتراف بحق الجنوب في تقرير مصيره ،ولا تسوية حقيقية دون أن يكون المجلس الانتقالي الجنوبي طرفٱ أصيلٱ فيها فالجنوب باق،وقراره بيد أبنائه.
✍️ ناصر العبيدي
