*- توثيق تاريخي – رصد ومتابعة شبوة برس
يُعد عبدالرحمن جرجرة (1919–1973م) واحدًا من أبرز رواد الصحافة في عدن خلال القرن العشرين، وشخصية جمعت بين العمل الإعلامي والفكر السياسي والإسهام الوطني، حيث ترك أثرًا واضحًا في نشأة الصحافة العدنية الحديثة، من خلال قلمه الذي حمل هموم المجتمع وقضايا وطنه في مرحلة سياسية شديدة التعقيد.
وُلد جرجرة في مدينة عدن يوم 31 أغسطس 1919م، ونشأ في بيئة علمية وثقافية ساعدته على بناء شخصيته الفكرية. أنهى تعليمه الثانوي عام 1938م، ثم عمل مدرسًا لمادة الرياضيات في المدرسة المتوسطة، قبل أن يواصل تحصيله العلمي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1942م، حيث حصل على بكالوريوس العلوم الاجتماعية.
بعد عودته إلى عدن، بدأ مسيرته الصحفية من خلال الكتابة في صحيفة «فتاة الجزيرة»، متناولًا قضايا المجتمع والشؤون الاجتماعية، ليبرز منذ وقت مبكر ككاتب يمتلك رؤية نقدية واهتمامًا بالشأن العام.
وفي عام 1949م أسس صحيفة «النهضة» الأسبوعية، التي تحولت إلى منبر فكري وسياسي بارز، احتضن أصوات المثقفين والكتاب، وطرحت قضايا الإصلاح والوعي الوطني، كما اتخذت مواقف ناقدة للسياسات البريطانية في الجنوب العربي، الأمر الذي أدى إلى إيقافها من قبل السلطات البريطانية عام 1951م، قبل أن يعيد جرجرة إصدارها عام 1956م.
ولم تتوقف تجربته الصحفية عند «النهضة»، إذ أصدر صحيفة «اليقظة» اليومية التي شكلت محطة تاريخية في الصحافة العدنية باعتبارها من أوائل الصحف اليومية في عدن، إلى جانب عمله مراسلًا لعدد من الصحف ووكالات الأنباء الخارجية، ما جعله جزءًا من المشهد الإعلامي العربي والدولي في تلك المرحلة.
وكان جرجرة حاضرًا في الحياة العامة إلى جانب نشاطه الصحفي، إذ شغل عضوية المجلس البلدي لدورتين، وشارك في عدد من اللجان المرتبطة بالشؤون الاجتماعية والعمل، كما عُين زائرًا للسجن خلال الفترة بين عامي 1948 و1953م، في إطار اهتمامه بالقضايا الإنسانية والمجتمعية.
وفي ستينيات القرن الماضي، تولى منصب وزير المعارف والإعلام في حكومة الاتحاد، غير أن التحولات السياسية التي شهدتها عدن قبيل الاستقلال عام 1967م دفعته إلى مغادرة المدينة قسرًا في يونيو من العام نفسه متجهًا إلى مدينة جدة، حيث واصل نشاطه الإعلامي من خلال العمل في إنتاج البرامج الإنجليزية بالإذاعة السعودية، رافضًا – بحسب ما عُرف عنه – الاستفادة من امتيازات المنصب الوزاري السابق.
ومن أبرز ما تركه جرجرة من إنتاج فكري كتابه «هذا الجنوب أرضنا الطيبة»، الذي قدم فيه توثيقًا لجغرافية الجنوب العربي وتاريخ سلطناته ومشيخاته، متناولًا أوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومسجلًا جانبًا مهمًا من ملامح تلك المرحلة التاريخية.
رحل عبدالرحمن جرجرة في أكتوبر 1973م بمدينة جدة، لكن اسمه بقي حاضرًا في ذاكرة الصحافة العدنية بوصفه أحد الرجال الذين تعاملوا مع الكلمة باعتبارها مسؤولية ورسالة، وأحد الذين أسهموا في تأسيس تقاليد الصحافة المهنية القائمة على الوعي والجرأة والانحياز لقضايا المجتمع.
