في الوقت الذي يعيش فيه الشرق الأوسط على صفيحٍ ساخن وتشهد فيه المنطقة تصعيداً جيو سياسياً غير مسبوق يُطل علينا رئيس مجلس القيادة الرئاسي بقرارٍ مفاجئ يعلن فيه بدء استئناف تصدير النفط من الجنوب العربي. يأتي هذا القرار بعد سنوات طويلة من الخضوع المطبق لبيان الحظر والتهديد الذي فرضته جماعة الحوثي بصنعاء والتي طالما توعدت باستهداف الموانئ والسفن النفطية في الجنوب ووصل تصعيدها مؤخراً إلى استهداف الملاحة الدولية ومطارات إقليمية كمطار أبها الدولي.
أمام هذا التحول المفاجئ يقف المتابع والمواطن في الجنوب العربي أمام تساؤلٍ مشحون بالمرارة والدهشة ما الذي جرى وفجّر هذه الشجاعة العارمة فجأة؟
وكيف لحكومةٍ استكانت لتهديدات الجماعة في أيام السلام النسبي أن تتحدى تلك التهديدات اليوم وفي ذروة الاشتعال الإقليمي؟
من الاستكانة إلى الاستأساد: أين كانت هذه الجرأة؟
لقد عاش أبناء الجنوب لسنوات طوال تحت وطأة سياسة تجويعٍ وإعادة إنتاج للأزمات المعيشية في ظل مرتبات متدنية ومتقطعة وانهيار تاريخي للعملة الوطنية وتدهور مريع في البنية التحتية والخدمات الأساسية وفي مقدمتها الكهرباء. حينها كانت التهديدات الحوثية تُتخذ شماعة جاهزة لتبرير الشلل والعجز الحكومي وتُقدم للمواطن كقدرٍ لا مفر منه بينما كانت الأزمة يُدار حنكها بطريقة ممنهجة تضاعف من ضنك العيش للشارع المغلوب على أمره.
إن التساؤل المشروع الذي يتداول اليوم بغضب هو: أين كانت هذه النخوة الإدارية والإرادة السياسية عندما كان الشارع يكتوي بنار الغلاء والانهيار الخدمي؟ ألم تكن معيشة الناس وكرامتهم تستحق هذا القدر من المخاطرة والتحرك لكسر الفيتو الحوثي منذ اليوم الأول؟
ما وراء الأكمة: خفايا التحرك المتأخر
إن القراءة الفاحصة لما وراء الكواليس تؤكد أن هذا الاستأساد المتأخر ليس نابعاً من صحوة ضمير تجاه آلام الناس بل هو سلوك الاضطرار لحكومةٍ وصلت إلى حافة السقوط التام.
1. إفلاس السلطة لا معاناة الشعب:
التحرك اليوم لم يحدث إلا عندما جفت الودائع وشحّت الموارد الخارجيّة، وأصبحت السلطة عاجزة حتى عن توفير النفقات التشغيلية لنفسها مما هدد بقاء أركانها.
2. تقاطع التوازنات الدولية: إن المضي في قرار التصدير في هذا التوقيت الحرج مرتبط بحسابات وضمانات إقليمية ودولية جديدة تسعى لفرض واقع اقتصادي قبل أي تسوية قادمة ورغبة من الرعاة في إيقاف نزيف الدعم المالي المباشر.
3. ام ان بيان الرئاسة جاء استجابة ورضوخاً لضغوط جماعة الحوثي لاستئناف بيع النفط كتنفيذآ لما يسمى لاتفاق مسقط والذي يمنح جماعة الحوثي 80% من نفط الجنوب .
كلمة أخيرة :
إن ما يجري اليوم يكرّس شرخ الثقة البالغ بين الشارع وهذه السلطة فقد أثبتت الأحداث أن المعاناة التي عاشها المواطن لم تكن قضاءً وقصراً بقدر ما كانت نتيجة لإدارة عاجزة تستسهل كلفة تجويع الشعب، ولا تتحرك إلا إذا مسّ الخطر المباشر وجودها ومصالحها.
إن الرهان على تصدير النفط تحت الحديد والنار يظل شهادة إدانة تاريخية على سنوات من التراخي والمماطلة التي دفع ثمنها المواطن البسيط من قوته وصحته وكرامته.
