في قلب مدينة عتق عاصمة محافظة شبوة (المحافظة الرابعة سابقاً)، يقف دكانٌ صغير في حجمه، باذخٌ في أثره، يحمل اسماً يختزل مرحلة قومية ملهمة: “مكتبة عبد الناصر”.
لم تكن هذه المساحة المحدودة مجرد مكان لبيع الأوراق بل كانت “المركز الثقافي” الفعلي والوحيد، والمكتبة العامة التي غسلت غبار العزلة عن عقول جيل كامل من الطلاب والموظفين والمثقفين في زمنٍ شحّت فيه مصادر المعرفة.
أسس هذا المعلم الثقافي الفريد الراحل صالح محسن برمان (رحمه الله) الرجل الذي لم يبع الكتب كسلعة بل قدمها كرسالة تنويرية.. في وقت لم تكن فيه وسائل التواصل الحديثة ولا شبكات الإنترنت قد ولدت بعد، كانت مكتبة “برمان” هي النافذة الوحيدة التي يطل منها أبناء شبوة على نتاج الفكر الإنساني والعربي والسياسي.
زاد العقل والروح على رفوفٍ متواضعة
على الرغم من صغر حجم المكتبة وقلة الإمكانيات والكتب التي كانت تحويها مقارنة بمكتبات العواصم الكبرى، إلا أن قيمتها الروحية والمعرفية كانت تفوق الوصف.
كانت “أفضل مكان يغذي العقل والروح”، ومقصداً يومياً للصحف لا غنى عنه.
بالنسبة لنا — نحن الذين كنا طلاباً حينها نخطو أولى خطواتنا في عالم المعرفة، أو موظفين يبحثون عن أفق أوسع خارج مكاتبهم الروتينية — كانت عتبة هذه المكتبة هي بداية الرحلة.. هناك تعلمنا كيف نشتاق للحرف وكيف ننتظر الكلمة المطبوعة بشغف لا يعرفه جيل اليوم.
طقوس الانتظار ،بشائر “مجلة العربي”:
أجمل ما في ذاكرة زبائن مكتبة عبد الناصر هو ذلك “الانتظار الشغوف”. كنا نترقب بلهفة بالغة وصول الشحنات الجوية أو البرية التي تحمل المجلة الشهرية العربية الرصينة، “مجلة العربي” الكويتية.
كانت هذه المجلة بمثابة جامعات مفتوحة، يكتب فيها كبار المثقفين والسياسيين والأدباء في العالم العربي.
كان تصفح “مجلة العربي” بألوانها الزاهية واستطلاعاتها المصورة حول العالم يمثل رحلة مجانية عابرة للقارات.. تلك المجلة التي ارتبطت في بداياتها وفترتها الذهبية (منذ أواخر الخمسينات ومروراً بالسبعينات) بقامات فكرية باسقة، حيث ترأس تحريرها العالم والمفكر المصري الكبير الدكتور أحمد زكي الذي صاغ هويتها الثقافية الفريدة وجعل من العلم والأدب مادة ميسرة وجذابة لكل قارئ عربي.
الأثر المستمر في حياة الأجيال:
لم تكن مكتبة عبد الناصر تبيع مجرد صفحات؛ بل كانت تصنع وعياً. فالطالب الذي كان يوفر من مصروفه القليل ليشتري مجلة أو يستعير كتاباً من دكان “برمان”، أصبح اليوم كادراً، أو معلماً، أو مثقفاً يساهم في بناء مجتمعه. لقد تركت هذه المكتبة الصغيرة في نفوس روادها بصمة لا تُمحى وأثبتت أن التنوير لا يحتاج إلى مبانٍ شاهقة أو ميزانيات ضخمة بل إلى شغف رجال آمنوا بالكلمة، ووعي مجتمع تعطش للمعرفة.
ستظل “مكتبة عبد الناصر” وصاحبها المرحوم العم “صالح محسن برمان” صفحة بيضاء ناصعة في تاريخ مدينة عتق الثقافي، وشاهداً حياً على زمنٍ كان فيه الكتاب يملك سلطاناً على القلوب، وكانت فيه المجلات الشهرية أحداثاً ينتظرها الصغار والكبار ليغزلوا منها وعيهم بالعالم.
