كيف حوّل بنو أمية العيد إلى مأتم والإسلام إلى الإجرام:
حينما نطالع كتب التاريخ نجد أنه في مثل هذا اليوم خطب على المنبر خالد القسري أحد ولاة بني أمية وقال: أيها الناس ضحّوا يقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل فذبحه.
هذه الفاجعة ذكرها ابن تيمية في كتبه أكثر من ثلاثين مرة، فبماذا عقّب عليها؟ هل أنكرها؟ أبداً، بل باركها.
ففي الفتاوى الكبرى يقول: وكان ذلك في زمن التابعين فشكروا ذلك.
وفي “بيان تلبيس الجهمية” يقول: وشكره العلماء على ذلك وكان هذا في زمن التابعين.
تصور حينما يختلف معك أحد في تفسير آية فتحكم بقتله. ومعلوم أن الجعد كان منتسبًا للمعتزلة في عصره، وفيما يتعلق بالآية يرى أن كلام الله لموسى ليس ككلامنا، وأن خلة الله لإبراهيم ليست كخلة بعضنا لبعض، لأنه في معتقده أن الله ليس كمثله شيء.
وعلى فرض أن الرجل قد كفر بالقرآن وبنبي الإسلام، فطالما لم يقتل أحدًا فلا سبيل إلى قتله.
ويمر الزمن بخالد القسري ويُقتل في النهاية شر قتلة.
لكن المصيبة أن يصير ذلك العبث دينًا، فيحكم المؤمنون به أن صاحب البدعة يقتل، حتى لقد ورد في فتاوى ابن تيمية حينما سئل عن من يجهر بالنية في الصلاة قال: يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل.
هل رأيتم كيف حوّل الظالمون سعادة العيد إلى شقاوة، وجمال الإسلام إلى قبح الإجرام؟
والمشكلة الأكبر أنه لا يزال في مجتمعاتنا العربية والإسلامية من يتخذ ابن تيمية ربًا من الأرباب، فالحلال ما أحل، والحرام ما حرّم، وإذا كان الله لم يأمرنا باتخاذ النبيين أربابًا فكيف بمن دونهم {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران 80).
وفي الحديث أن عدي بن حاتم وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ…} قال: فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم، قال: أليسوا يحرمون ما أحل الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتحلّونه؟ قال: قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم.
الشيخ طارق نصر
أستاذ التفسير بالأزهر الشريف
