إدارة العجز وعصر القوت.. معركة الحطب الأخيرة ولعبة الرهان الخاسر

​لم يعد السكوت يُسمى حلمًا، ولا التجاهل يُعد دبلوماسية؛ ما يحدث في العاصمة عدن وأرجاء الجنوب العربي كافة ليس مجرد “فشل خدمي” كما يحلو للبعض تجميله، بل هو شلل مُفتعل وسياسة تركيع صريحة تُمارس بدم بارد. إن الانتقال من جريمة قطع الكهرباء وتدمير شبكات المياه—والتي تجرّعها المواطن على مضض لعقود—إلى ضرب الشريان الحيوي لأقوات الناس عبر افتعال أزمة خنق الغاز المنزلي وغاز السيارات، هو تدشين لمرحلة إشهار السلاح الخدمي بوجه الجميع، حتى وصل الحال بالناس إلى الاحتطاب والطهي على النار في قلب عاصمة مدنية!

​إن القراءة السياسية الواعية لهذا الواقع الفاسد تؤكد أننا أمام أدوات إدارة بالأزمات؛ هندسةٌ خبيثة تُدار لإنهاك الشارع الجنوبي، وإشغاله بالركض اليومي خلف أسطوانة غاز أو شربة ماء، لتفريغ القضية الوطنية من مضمونها السياسي وإيصال المواطن إلى نقطة القبول بأي تسوية. إنه ابتزاز سياسي أرعن يُمارَس تحت غطاء “الشرعية الفندقية” والمنظومية الإدارية العاجزة التي تحولت إلى عبء ثقيل على كاهل الأرض وأهلها.

​ولأن نقد الواقع وحده لا يبني موقفًا، فإن الخروج من هذه المصيدة الخدمية يتطلب قرارات شجاعة وإجراءات حاسمة لا تحتمل المماطلة:

​إنهاء سياسة الاحتكار والسيطرة المركزية: سحب ملف المشتقات النفطية والغاز فوراً من يد القوى والمراكز الفاسدة التي تتغذى على الأزمات، وفتح المجال أمام حد كفاءات نزيهه وإدارات محلية تمتلك النزاهة والقدرة على الشفافية.

​إصلاح هيكلي وإداري شامل للمؤسسات: تطهير المؤسسات الخدمية في عدن من أدوات الفساد، وإحالة ملفات المال والتموين إلى رقابة شعبية ومحاسبية صارمة تُعلن نتائجها للجمهور.

​تأمين الإنتاج والتوزيع المحلي: فرض آلية حماية وتوزيع عادلة لغاز صافر والموارد الوطنية تضمن وصولها المباشر إلى عدن والمحافظات الجنوبية دون التلاعب بحصصها أو احتجازها في ممرات الابتزاز.

​إن هذه المعاناة القاسية يجب ألا تكون سببًا للإحباط، بل يجب أن تُشكل نقطة التحول والوعي الأكبر. إن الرهان على شق الصف الجنوبي عبر تجويعه هو رهانٌ محكوم عليه بالسقوط؛ والمطلوب اليوم—أكثر من أي وقت مضى—هو رص الصفوف وتوحيد الكلمة بين مختلف المكونات والقوى الاجتماعية والسياسية في الجنوب العربي.

​إن التلاحم والوقوف صفاً واحدًا في وجه هذا العقاب الجماعي هو خط الدفاع الأول عن الكرامة والحق. فالإرادة الصلبة لا تُكسر بأزمة غاز، والشعوب الحرة التي قدمت دماءها على مذبح الحرية لن تُساق بحزمة حطب؛ فشعب الجنوب لم ولن يركع إلا لخالقه عز وجل.