*- شبوة برس – خاص

في كلمته أمام القيادات الإعلامية في الرياض، حاول رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تقديم نفسه باعتباره متفهماً للقضية الجنوبية، مستخدماً عبارات تبدو إيجابية للوهلة الأولى، من بينها وصف القضية الجنوبية بأنها “قضية سياسية عادلة”، والحديث عن مظالم واختلالات تراكمت خلال عقود، وعن الحوار الجنوبي الجنوبي باعتباره طريقاً لمعالجتها.

لكن قراءة “شبوة برس” المتأنية للكلمة تكشف أن المشكلة ليست في الاعتراف اللفظي بعدالة القضية، وإنما في السقف السياسي الذي وضعه العليمي لهذا الاعتراف. فهو يتحدث عن معالجة القضية داخل إطار “الحل الشامل”، ويربط مستقبلها باستعادة مؤسسات الدولة، دون أن يقترب من السؤال الجوهري الذي يطرحه الجنوبيون: من يملك حق تحديد مستقبل الجنوب السياسي، وهل يحق لشعب الجنوب أن يقرر مصيره بنفسه؟

وحين يقول العليمي إن القضية الجنوبية قضية عادلة، ثم يعيدها إلى إطار الدولة اليمنية ومؤسساتها ومرجعياتها، فإنه عملياً يعيد تعريف القضية من قضية شعب وحق سياسي إلى قضية مظالم وحقوق يمكن تسويتها داخل النظام القائم. وهذه هي أخطر نقاط الخطاب؛ لأنها تمنح الاعتراف شكله السياسي، لكنها تفرغه من مضمونه الذي يطالب به قطاع واسع من الجنوبيين.

كما تحدث العليمي عن إعادة عشرات الآلاف ممن تعرضوا للإقصاء بعد حرب 1994 إلى وظائفهم وتسوية أوضاعهم. وهذه إجراءات حقوقية مهمة، لكنها لا تعني حل القضية الجنوبية. فإعادة الموظف إلى وظيفته أو منحه مستحقاته لا تعيد للجنوب قراره السياسي، ولا تعالج قضية الأرض والثروة والسيادة وبنية السلطة التي تشكلت بعد الحرب.

أما حديثه عن الحوار الجنوبي الجنوبي، فيرى محرر “شبوة برس” أن في ظاهره دعوة إيجابية، لكنه يصبح إشكالياً عندما يتحول الحوار من وسيلة يستكشف بها الجنوبيون مستقبلهم إلى أداة لتحديد سقف مسبق للحل. فالحوار الحقيقي يفترض أن تكون نتائجه مفتوحة على خيارات الجنوبيين، لا أن يكون المطلوب منه إنتاج صيغة جاهزة داخل إطار الدولة اليمنية.

وفي حديثه عن حضرموت، أشار العليمي إلى أنها ليست مجرد مورد نفطي، بل مجتمع وتاريخ وثقافة وثقل اقتصادي وإنساني، وتحدث عن حقها في الاستفادة من مواردها وعن اللامركزية. لكن الخطاب يتجنب السؤال الأهم: من يملك القرار في ثروات حضرموت؟ ومن يحدد مستقبلها السياسي؟ فالحديث عن “حصة المحافظة” يختلف تماماً عن الاعتراف بحق أصحاب الأرض في إدارة ثرواتهم وتحديد مستقبلهم.

إن أخطر ما في خطاب العليمي أنه لا يرفض القضية الجنوبية صراحة، بل يستخدم لغة الاعتراف بها لإعادة احتوائها. فهو يمنح الجنوبيين كلمات عن العدالة والحوار والحقوق، بينما يبقي القرار النهائي داخل سقف “الدولة اليمنية” و”الحل الشامل”.

ومن منظور جنوبي، هذه ليست معالجة لجذر القضية، بل محاولة لإعادة تدويرها بصياغة أكثر نعومة. فالقضية الجنوبية لا تحتاج إلى اعتراف لغوي جديد، وإنما إلى اعتراف سياسي صريح بحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله، بعيداً عن الوصاية أو فرض سقف مسبق للحل.