وفدنا في الرياض عقدوا لقاءً تشاوريًا لتوحيد مواقفهم في مواجهة تهديد الحوثيين.

لا نحتاج أن يذكرونا بأن الحوثيين عدونا، فقد حاربناهم وهزمناهم، ويومها كنا بلا سلطة أو قيادة، وموقفنا منهم لم يتغير.

لكننا لا ندري متى ينطلقون من مسؤوليتهم الجنوبية الوطنية والتاريخية والأخلاقية والإنسانية، ويتباحثون في مصيرنا المجهول، ويحددون ملامح مستقبلنا الضائع!

ثمانية أشهر مضت منذ غادر الرئيس القائد عيدروس الزبيدي السلطة والجنوب، مكرهًا أو ربما بطلًا.

وما زال الجنوبيون مبنشرين في البقعة نفسها، ومضيّعين الحسبة.

أزاحوه وحلوا مجلسه، وشلّحوا مشروعه، واشتروا أتباعه، ونكّلوا حتى بمرافقيه وكثير من أنصاره.

ونكاد لم نتزحزح خطوة إلى الأمام، بل إن أكثرنا «عشقوا الروس».

رحّلوا رفاقه إلى الرياض، وحاولوا إفراغ الساحة من مؤيديه في الداخل، وصاحوا في الناس: «لا تخرجوا»، حتى إنهم خاضوا معركة حياة أو موت مع صورته.

وما زلنا محفشين على بيضة، لا نعلم شكلها ولا لونها، ننتظر متى تفقس، ولسنا واثقين إن كان كتكوتها سيشبهنا!

تعيش المنطقة أحداثًا كثيرة، وتشهد صراعات إقليمية كبيرة، وتغيرت بوصلة المواقف، ودخلت في تحالفات جديدة.

وسط هذه الحرائق المشتعلة، يقف الجنوبيون في برود عجيب، ويرابطون في أماكنهم، حيث تركهم عيدروس أو حيث تركوه.

تقف اليمن بين طاولة التفاوض وحافة الحرب، وينتظر شعبها مصيره على كف الوصاية السعودية.

والجنوبيون يقفون على الهوامش، بلا مواقف واضحة، وينتظرون من يقرر لهم مصيرهم.

قواعد اللعبة تتغير، والجميع يرتبون أوراقهم، ويرسمون خرائط مصالحهم، ويحددون خطوطهم الحمراء.

وما زلنا تائهين؛ بعضنا في الرياض ينتظر جزرة الحوار، وبعضنا في عدن ينتظر عودة عيدروس!

كثيرون يتزاحمون على الجنوب، لكننا لا نراهم يقدمون رؤية واضحة، أو جرأة تحدد ملامح المرحلة القادمة، أو يملكون مشروعًا حقيقيًا بديلًا، عزيزًا وكريمًا.

ويبدو أنهم لم يُخرجوا عيدروس فقط، بل أخرجوا الجنوب كله من معادلة الشراكة!

ولا نخفي حبنا للقائد عيدروس، وإن كنا شخصيًا لم نخسره، ولا ننتظر عودته، لكن كثيرين بدأوا يشعرون أن الجنوب خسر عيدروس.

نشعر بالقهر لما أصبحنا عليه من شتات وهوان، ونعتقد أننا صرنا بحاجة ليس إلى إعادة تعريف القضية فقط، بل إلى استعادة الكرامة أيضًا.

يجد الجنوبيون أنفسهم في وضع لا يُحسدون عليه، فوفدهم صمتوا دهرًا ونطقوا كفرًا.

مأساتنا أنهم لا يتذكروننا إلا في الحرب والموت، وكل ما يملكونه من شجاعة أن يذهبوا بنا إلى الجبهات، نقاتل نيابة عن الذين هربوا، وفداءً لترف أبنائهم.

نخشى أننا أمسينا أشبه برماد في مهب الريح!

ياسر محمد الأعسم
عدن
11 أغسطس 2026م