*- شبوة برس – تعليق
لم يعد الحديث عن الفساد في مؤسسات الحكومة المعترف بها دوليًا مجرد اتهامات سياسية متبادلة، بل بات يستند إلى تقارير ولجان مراجعة رسمية كشفت، بالأرقام والوثائق، حجم الاختلالات التي طالت واحدًا من أكثر الملفات حساسية، وهو ملف الابتعاث الخارجي الذي يفترض أن يكون بوابة لصناعة الكفاءات وبناء مستقبل البلاد، لا وسيلة لتوزيع الامتيازات على الأقارب وأصحاب النفوذ
إن أخطر ما كشفه التقرير ليس مجرد وجود مخالفات إدارية، بل إظهار نمط ممنهج حوّل المنح الدراسية إلى امتيازات عائلية، بعيدًا عن معايير التفوق والاستحقاق وتكافؤ الفرص. ووفق ما ورد في التقرير، استحوذت عائلات وأقارب مسؤولين ومتنفذين على نسبة كبيرة من المنح، بينما حُرم آلاف الطلاب المتفوقين من فرص كانوا أولى بها. كما أشار التقرير إلى أن نحو ثلث المبتعثين كانوا من أسر مترابطة بعلاقات قرابة ونفوذ، في مشهد يناقض فلسفة الابتعاث وأهدافه الوطنية.
القضية لا تتعلق بأسماء بعينها، بل بمنظومة حكم سمحت بتغليب القرابة على الكفاءة، والولاء على الاستحقاق، حتى أصبحت مؤسسات الدولة تُدار بعقلية الغنيمة لا بعقلية الخدمة العامة. فعندما تتحول المنحة الدراسية إلى مكافأة للأقارب، فإن أول الضحايا هم أبناء الأسر الفقيرة الذين لا يملكون سوى تفوقهم العلمي.
وليس من قبيل المصادفة أن يتزامن ذلك مع الانهيار الذي تعيشه الجامعات الحكومية، وتراجع البحث العلمي، وهجرة آلاف الطلاب إلى الخارج بحثًا عن فرصة تعليم أو حياة كريمة. فالدولة التي لا تحمي العدالة في التعليم، لا يمكنها أن تبني إدارة كفؤة أو اقتصادًا منتجًا.
الأكثر خطورة أن هذه الوقائع لم تعد مجرد أحاديث في المجالس أو منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بل جاءت في تقرير أعدته لجنة مراجعة حكومية، الأمر الذي يضع السلطات أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لا يمكن القفز عليها أو دفنها بالصمت. فإذا كانت اللجان الرسمية نفسها قد وثقت هذه الاختلالات، فإن المطلوب ليس تشكيل لجنة جديدة، بل إحالة الملف إلى القضاء، واستعادة الأموال العامة، وإلغاء كل قرارات الابتعاث المخالفة للقانون، ومحاسبة كل من استغل منصبه أو نفوذه، أيًا كان موقعه أو صفته.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول تقارير الفساد إلى مجرد عناوين إعلامية، ثم تُطوى صفحاتها دون محاسبة. فغياب المساءلة هو البيئة التي يتكاثر فيها الفساد، ويصبح فيها نهب المال العام أمرًا اعتياديًا، بينما يدفع المواطن وحده ثمن الانهيار.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تسقط بسبب قلة الموارد، وإنما بسبب غياب العدالة وسيادة المحسوبية. وعندما يشعر الطالب المتفوق أن مستقبله يُنتزع لصالح ابن مسؤول أو قريب نافذ، فإن الرسالة التي تصله ليست أن عليه أن يجتهد، بل أن عليه أن يبحث عن واسطة.
وفي المحصلة، فإن معركة اليمن اليوم ليست فقط معركة أمن أو سياسة، بل معركة استعادة مؤسسات الدولة من قبضة شبكات النفوذ التي حولتها إلى إقطاعيات خاصة. وإذا لم تُفتح ملفات الفساد الكبرى بشجاعة، ويُحاسب المسؤولون عنها دون استثناء، فإن أي حديث عن الإصلاح سيظل مجرد شعارات لا تجد طريقها إلى الواقع.
