جاء الخطاب الهجومي الأخير لزعيم الجماعة الحوثية، عبد الملك الحوثي، حاملاً وعيداً بتصعيد عسكري واسع واستهداف المنشآت النفطية والحيوية. لكن القراءة العميقة لما وراء الكلمات تكشف أن هذا الضجيج الإعلامي ليس علامة قوة، بقدر ما هو محاولة يائسة لترميم المعنويات المنهارة لأنصاره بعد الضربات القاصمة التي تلقتها إيران وحزب الله إقليمياً. ومع ذلك، فإن هذه الجرأة الحوثية لم تكن لتظهر لولا وجود عوامل خلل موضوعية في المعسكر المقابل أتاحت للجماعة مساحة واسعة للمناورة واستعراض العضلات.
إن الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن الحوثي التقط إشارات الضعف والتراخي من جانب التحالف العربي، وتحديداً عقب الخلافات السياسية والتباين في الرؤى بين السعودية والإمارات. هذا التباين في تحديد الأولويات وإدارة الملف اليمني منح الجماعة فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الصفوف، والاطمئنان إلى غياب جبهة واحدة متماسكة تمتلك قرار الحسم العسكري.
ومن جانب آخر، يتغذى الصلف الحوثي على الإصرار الإقليمي بالتمسك بأوراق سياسية وعسكرية مستهلكة تتبع ما كان يُسمى “الشرعية”. يدرك الحوثي جيداً -من واقع الميدان- أن هذه المكونات التقليدية باتت بلا فائدة حقيقية، وأن بقايا الجيش اليمني المؤيد لها قد جُرِّد من عتاده العسكري وفاعليته وقوته الهجومية لأسباب وحسابات سياسية ضيقة.
وما زاد الطين بلة هو الاتجاه نحو تفريخ وتشكيل فصائل ومليشيات موازية تفتقر للعقيدة القتالية، مثل قوات “درع الوطن”، و”الطوارئ”، و”قوات الدفاع” وغيرها. هذه التشكيلات المستحدثة لا تمتلك من الكفاءة أو القوة ما يمكنها حتى من الدفاع عن نفسها، وعجزت عن تشكيل أي فارق ميداني، بل تحولت إلى عامل تشتيت إضافي أضعف الجبهة المناهضة للحوثي وأغرى الجماعة بمزيد من الاستخفاف والتصعيد.
إن الهروب الحوثي إلى الأمام عبر لغة التهديد يتطلب من الأطراف الإقليمية والدولية مراجعة شاملة لإستراتيجيتها؛ فالاستمرار في الرهان على الأدوات العاجزة، والكيانات الموازية الهشة، والجيوش المكبوتة سياسياً لن يؤدي إلا إلى مزيد من الغطرسة الحوثية. لقد حان الوقت لتمكين القوى الحية والصلبة الفاعلة على الأرض—وفي مقدمتها القوات المسلحة الجنوبية—التي أثبتت بالملموس أنها وحدها القادرة على كسر العبث الحوثي، وصياغة معادلة ردع حقيقية تحمي المنطقة من مغبة هذا الابتزاز المستمر.
