إن الزعم بأن السنة مكملة للقراءة وشارحة له ومبيِّنة؛ يقتضي القول بنقصان القرآن، وأنه غير مُبينٍ بنفسه، وغيرُ كافٍ بنفسه.

كما أن في هذا القول قدحًا في كمال عدل الله ﷻ؛ إذ كيف يُنزل كتابًا ويحفظه للناس حرفًا بحرف لأنه سيحاسبهم عليه، ثم يجعل مَفاتِحَ فهمه في كلام نبيِّه وهو لم يتكفل بحفظه وتَرَكَه للبشر يجتهدون في إثبات نسبته إليه ﷺ؟

وأما التبيين في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾ [النحل: 44]، فهو – كما يقتضي السياق – لا يعني: “وأنزلنا إليك القرآن لتبين للناس القرآن”؛ فهذه رَكاكةٌ يتنزه القرآن عنها.

كما أن هذا الفهم يقود إلى وجود تناقض في القرآن نفسه؛ إذ وَصَفهُ الله ﷻ بأنه مبين وتبيان لكل شيء.

هذا وإنَّ مَن تَركَ تقليد الأولين، وترك اجتراح الاجتزاء المُخِلّ، وقرأ كامل السياق؛ عَلِمَ أن الناس هنا هم أهل الكتاب، والقرآن يذكر الناس وهو يعني بعض الناس، كما في قوله تباركت أسماؤه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173].

وكذلك قوله سبحانه: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۞ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ [النحل: 63 – 64].

فالسياق يوضح – بكل جَلاء – أن أهل الكتاب ﴿أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ زين لهم الشيطان فضَلُّوا واختلفوا، فأنزل الله القرآن على الرسول ليبين لهم – بالقرآن – ما اختلفوا فيه.