–إن التمادي في رقصة الحافة الخطرة، والاتكال على حسابات مفرطة في غرورها لن يقود إلا إلى ارتداد عكسي يقلب طاولة التوقعات ويبعثر خارطة الواقع في لحظة صدمة لا يملك فيها المهندسون حق التراجع–.
في ظروف كهذه تعيش المنطقة حالة من السيولة السياسية المتسارعة حيث لم تعد القواعد التقليدية التي حكمت إدارة الأزمات خلال العقد الماضي صالحة لتأمين الاستقرار المستقبلي.
وفي قلب هذه الدوامة تبدو المقاربات التي تتبناها بعض الأطراف الإقليمية لإعادة ترتيب أوراق الملف “اليمني” بحاجة ماسة إلى مراجعة عميقة وقراءة متأنية لعواقب الارتداد العكسي! فالإفراط في استخدام أدوات الضغط ضد الشركاء الطبيعيين على الأرض قد لا يؤدي إلى النتيجة المرجوة بل على العكس تماماً قد يجعل مما كان يُصنف في خانة “المستحيلات والممنوعات” بالأمس خياراً حتمياً ولا مفر منه اليوم تحت وطأة غريزة البقاء والاستمرار.
إن السياسة القائمة على التضييق الاقتصادي والمحاصرة الإدارية للقوى الحية في الجنوب والتي تُنفذ عبر واجهات قضائية ودبلوماسية متعددة تُخاطر بنقل المشهد من حالة “التهدئة الهشة” إلى مربع الانفجار الشامل.
فالضغط الزائد لا يؤدي في عالم السياسة إلى الاستسلام؛ بل يدفع الأطراف المحاصرة إلى إعادة النظر في كامل منظومة تحالفاتها والبحث عن هوامش مناورة جديدة خارج الصندوق التقليدي.
وفي هذا السياق الجيوسياسي المعقد ليس من المستبعد أن تلتقي المصالح الاضطرارية بين القوى المتضررة من هذا التضييق وبين سلطة الأمر الواقع في صنعاء في إطار تفاهمات “قد تحظى برعاية وتسهيل من أطراف إقليمية موازية نكاية بالنهج الأحادي” بهدف خلق توازن قوى جديد يربك الحسابات الاستراتيجية المعتمدة.
لقد أثبتت التجارب القريبة أن استعداء المكونات القوية التي واجهت التمدد في جبهات عدن والضالع وشبوة وأبين، ومحاولة تجريم قياداتها يمثل ثغرة استراتيجية كبرى قد تستغلها صنعاء بذكاء شديد، فصنعاء ما زالت تُمثل القوة الأكثر تماسكاً وقدرة على قلب الطاولة على الجميع .
لذا فإن تغذية الصراع الداخلي عبر ما يسمى “حكومة الشتات” أو “الشرعية” وأذرعها لن يثمر استقراراً بل قد يؤدي إلى استفاقة متأخرة على مشهد تحالفات غير سارة (ظاهرة أو مخفية) تؤرق هندسة الأمن الإقليمي لسنوات قادمة.
إن الحكمة السياسية تقتضي اليوم الانتقال من عقلية الإقصاء إلى خلق مرونة حقيقية في التعامل واستيعاب التطلعات المحلية قبل أن يفرز خيار “الهروب إلى الأمام” واقعاً جديداً لا يمكن احتواؤه.
