يستطيع سعيد عولقي محاكاة التراجيديا بالضحك، أو مزجهما معًا بطريقة ميلودرامية. وهذه من المزايا النادرة في أدب الكتابة، خاصة في مجتمعات رعوية بالغالب كبلادنا، حيث الكتابة الرصينة الجامدة انعكاس لواقع الحال.
وحتى هذا العولقي اللبيب، ابن بيئته الفلاحية، لن يستطيع الخروج من سيكولوجية جادة إلا بتمازجات داخلية تحدثها عدن في ذواته المتعددة، انجذابًا إلى فن التبكيت والتنكيت، كما هو عند عبدالله النديم في مصر في القرن التاسع عشر.
لذلك من الممكن أن تصدق الرواية عن الشاعر علي بن الجهم حين باشر الخليفة المتوكل بمدح كهذا:
أنت كالكلب في حفاظك للود
وكالتيس في مقارعة الخطوب
لأنه نقل كل ما حوله في بادية الكوفة من أوجه الوفاء والقوة مديحًا للخليفة. وعندما أفلت من غضبة حاشية الخليفة بحلم من الأخير، وتهيأت له سبل العيش الرغيد على ضفة دجلة، جاء مدحه مختلفًا بعد أن استطابت له الإقامة، فقال للخليفة مفتتحًا قصيدته:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن
سلوت ولكن زدن جمراً على جمر
وشتان ما بين المطلعين.
إنغماسه في المدينة، عدن، على عهد الإدارة البريطانية، وكان قد التحق بالجيش، فتح أمامه أفقًا واسعًا، ناهيك عن استشرافه عالمًا آخر أثناء دراسته في إنجلترا.
لكن عدن تظل عدن في خلد ومشاعر العولقي، والصحبة الناشئة من داخل الجيش أو خارجه لها نكهة عولقية متميزة، إذ تتحول الشخوص إلى أبطال فاعلين في سرد سعيد ومقالاته.
ولأن بداخله، لا البدوي العولقي، وإنما العدني الفكاهي ابن الحارة، ينقاد بسرعة إلى خفة الدم، حتى وإن كانت أحيانًا ثقيلة على البعض، بألفاظ تقترب من برنارد شو الإيرلندي.
ويكفيه فخرًا “التركة”، العمل المسرحي الخالد الذي يؤرخ لفترة مهمة من تاريخ الجيش في بلادنا بأسلوب فكاهي عالي القيمة.
عدم توافق العولقي مبدئيًا مع حكم كانت الأحادية سمته بعد الاستقلال، وما تعرض له، كفيل بجعله الأقدر على النقد الممنوع من دواخل الضحك.
سخر من وفد “الزنجبيل” حين التقاهم صدفة في الهند لشراء الزنجبيل، وكأنهم لم يسمعوا عن “الكِشّي” في المعلا، أو لم يخطر ببالهم استخدام “التلكس” بدلًا من هذا العناء.
ستقرأ المقالة في صحيفة 14 أكتوبر الحكومية، ولن يهتدي الرقيب إلى النقد المختبئ خلف الضحك.
ولعلني أتذكر قصة قصيرة له في مجلة “الحكمة” بعنوان “أطفال المانجو” عشية الوحدة اليمنية، عندما أغرق اليمن الجنوب بصناعته وبأسعار زهيدة نسبيًا لحاجة في نفس يعقوب، في أسلوب فكاهي للعولقي يرتقي إلى مستويات الضحك عند الأديب المصري الكبير أنيس منصور، ولكنه الضحك المبكي عند سعيد.
هذه الشخصية التركيبية لسعيد عولقي لا تستطيع أن تحللها وتفهمها من جلساته في مقايل القات، حيث لن تجده سعيدًا الساخر والناقد بمرارة وزارع الضحكة والدمعة معًا. هنا سعيد آخر، لا يتكلم كثيرًا، ويكاد يكون انطوائيًا ووقورًا وحتى خجولًا.. سبحان الله.
جمعتنا جلسات كثيرة في منتدى “الأيام”، وتزاملنا في رحلة طويلة إلى صنعاء بمعية هشام باشراحيل ونجيب يابلي لحضور ندوة من ندوات الثورة اليمنية. كان يحتفظ بسماته التي ذكرناها لنفسه، وقدم دراسة رصينة ولكنها أيضًا متميزة.
أما هشام فكان نجم الاستعراض، فقد قدم بحثًا مقتضبًا عن احتفاء “الأيام” بالثورة منذ اليوم الأول ومشاركة الأستاذ الكبير محمد علي باشراحيل، رحمه الله، في عيدها الأول، ولكنه كان جاهزًا للرد على القليسي وسواه على ما أسموه دور “الأيام” المختلف في تلك المرحلة، وهي فترة الحراك الجنوبي.
وكانت صحبة ممتعة من ثلاثة من عمالقة الصحافة في عدن: هشام باشراحيل، وسعيد عولقي، ونجيب يابلي.
وها هو سعيد عولقي يلحق بزميليه يوم أمس.
رحم الله الجميع.
