لم تعد “عدن” تعني شيئا للفاسدين ،إلا في كشوفات الرواتب الضخمة وبطاقات السفر لمسؤولي “الشرعية” التافهة، أما على الأرض فهي اليوم تعيش الفصل الأخير من فصول الجحيم الممنهج. 

ففي مشهد يندى له جبين الإنسانية، وتتجاوز قسوته طاقة البشر، يفترش أهالي عدن أرصفة الشوارع ليلاً، هرباً من منازلهم التي تحولت إلى أفران بشرية بفعل الارتفاع الحاد في درجات الحرارة والانقطاع المستمر والكامل للتيار الكهربائي.

إن خروج المواطنين، بنسائهم وأطفالهم وشيوخهم، للنوم في العراء ليس نزهة، بل صرخة عجز واحتجاج صامت ضد منظومة فساد تمارس القتل البطيء بحق شعب بأكمله.

 في هذا الصيف اللاهب، تلفظ العاصمة أنفاسها تحت وطأة المعاناة، بينما يقف “التحالف” موقف المتفرج، محتضناً وممولاً لحكومة فاسدة، غارقة في مستنقع البلادة والفشل، ومجردة من أي ذرة حياء أو مسؤولية أخلاقية.

ولعل الصورة الأكثر تعبيراً وصدمة عن هذا العبث هي تلك اللقطة المخزية التي وثقت طالب الثانوية العامة في قاعة الامتحان؛ جسد نحيل يتصبب عرقاً، وقميص مدرسي ملتصق بالجلد وكأنه خرج للتو من البحر من شدة العرق. 

وفي ذات اللقطة يقف فوق رأسه وفد حكومي متبلد برئاسة عضو “مجلس القوا…. “محمود الصبيحي والمسؤولين المرافقين له، يوزعون الابتسامات الباردة ويلتقطون الصور التذكارية فوق جراح الصغار. أي وقاحة هذه التي تسمح لمسؤول يعيش خلف مكيفات القصور وسياراتها الفارهة، أن يتبجح بزيارة تفقدية لطلاب يُسلب منهم حتى حق التنفس والتركيز في امتحاناتهم المصيرية؟

لقد أثبتت الأيام وبما لا يدع مجالاً للشك، أن “الحلول الترقيعية” التي دأبت هذه السلطة التافهة على تسويقها لم تعد تجدي نفعاً، بل إنها تزيد من عمق الكارثة.

 إن ما يسمى بـ “المكرمة” أو “المنحة السعودية” المؤقتة لتمويل وقود الكهرباء ليست إلا إبراً تخديرية تهدف إلى إبقاء المدينة في حالة موت سريري، وتدوير عجلة الفساد داخل ممرات الحكومة الفاشلة. عدن لا تحتاج إلى صدقات مؤقتة تُقطع متى ما أريد الضغط السياسي، بل تحتاج إلى حلول استراتيجية جذرية ومحطات توليد حقيقية تنهي هذا المسلسل الهزلي الإجرامي.

إن صمت التحالف المستمر تجاه هذا التعذيب الجماعي الممنهج لأبناء عدن، وشرعنته لبقاء عصابة فاسدة لا تجيد سوى نهب الإيرادات وإصدار بيانات التنديد، يضع علامات استفهام كبرى حول الأهداف الحقيقية من وراء إغراق المدينة في الظلام والفوضى.

 إن ترك الأطفال والطلاب يعانون الأمرين على مقاعد الدراسة، وإجبار العائلات على اتخاذ الرصيف مأوى، هو جريمة مكتملة الأركان تشترك فيها الحكومة المتبلدة والتحالف الصامت على حد سواء.

 عدن لن تظل تبتلع قهرها إلى الأبد، وسياسة التجويع والإطفاء المتعمد لن تنتج إلا انفجاراً يقتلع عروش هذه الطغمة الفاسدة. قميص ذلك التلميذ المبتل بالعرق هو صك إدانة تاريخي في وجه كل مسؤول مر من هناك ووجه كل عابر قَبِلَ أن يرى عاصمة الجنوب تُذبح بالظلام والحر دون أن يحرك ساكناً.