لم يعد هناك ما يبرر وجود حكومة أو مسؤولين إذا كان أحد منهم لا يستطيع التدخل لإيقاف هذا البلاء الذي يستنزف أرواح الناس ويحرق أعصابهم يوماً بعد يوم. فكيف يمكن لمدينة بأكملها أن تقضي ساعات الليل الطويلة في ظلام دامس، في ذروة الصيف ولهيب الحرارة الخانقة، وكأن سكانها خارج حسابات الزمن والدولة والحياة؟

إن انقطاع الكهرباء لم يعد مجرد عطل فني أو أزمة عابرة، بل أصبح سلسلة متصلة من المعاناة اليومية. فحين تنطفئ الكهرباء ينطفئ معها النوم في بيوت المكلا، وتتوقف مضخات المياه عن إيصال الماء إلى المنازل، فلا ماء بارد يروي العطش، ولا محطات وقود تعمل بصورة طبيعية، ولا إنترنت يربط الناس بأعمالهم وأقاربهم، ولا نور يبدد وحشة الليل. إنها ببساطة حالة من الشلل الكامل للحياة.

نتساءل بمرارة: ماذا يريد منا هؤلاء المسؤولون؟ وما الذي اقترفه المواطن البسيط حتى يُترك وحيداً في مواجهة هذا العذاب المزمن؟ هل يستطيع مواطن في أي دولة خليجية مجاورة أن يتقبل العيش تحت هذه الظروف القاسية، حيث تتحول أبسط مقومات الحياة إلى أمنيات بعيدة المنال؟ وإذا كانوا لا يقبلونها لأنفسهم، فكيف يرتضونها لشعب تربطه بهم روابط الجوار والدين والإنسانية؟

نحن بشر مثل سائر البشر. لا نطلب المستحيل، ولا نبحث عن ترف زائد. نريد فقط ساعات نوم هادئة، وكوب ماء بارد، ونسمة هواء تخفف وطأة الحر، وخدمة كهرباء مستقرة تحفظ كرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم.

لقد تعب الناس كثيراً، واستنفدوا ما لديهم من صبر واحتمال. ولم يعد أمامهم سوى الدعاء إلى الله أن يرفع عنهم هذا الجور وهذا البلاء، وأن يهيئ لهذه البلاد من يضع معاناة المواطنين في مقدمة أولوياته بدلاً من تركهم أسرى للأزمات المتكررة.

إن مدناً جميلة وعزيزة في وطننا لا يليق بها أن تغرق في الظلام كل ليلة، ولا يليق بأهلها الطيبين الصابرين أن تظل راحتهم وأحلامهم معلقة بوصول قاطرة وقود إلى محطة كهرباء، فتعمل لساعات معدودة ثم يعود كل شيء إلى العتمة من جديد.

هناك أمر مبهم لا يزال المواطن عاجزاً عن فهمه. كيف يمكن أن تستمر هذه الأزمة سنوات طويلة دون حلول جذرية؟ وكيف تتحول الكهرباء، وهي أبسط الخدمات الأساسية، إلى معركة يومية يخوضها الناس من أجل البقاء؟ أسئلة كثيرة تتزاحم في الأذهان، لكن الإجابات ما زالت غائبة، فيما يبقى المواطن وحده يدفع الثمن من صحته وراحته وأعصابه ومستقبل أبنائه.

بقلم انور الحوثري