*- شبوة برس – متابعات عربية
في تطور ميداني يحمل دلالات استراتيجية عميقة، نشرت المقاومة اللبنانية مشاهد توثق استهدافها الثالث لمنظومة “القبة الحديدية”، وهذه المرة في قلب كيان الاحتلال وتحديداً في مستوطنة “شوميرا”. هذا الاختراق النوعي لم يأتِ عبر صواريخ باليستية متطورة أو أسراب من الطائرات المسيرة التقليدية الكبيرة، بل جاء عبر طائرات مسيرة من طراز **”FPV”** (مسيرات الرؤية الشخصية الأولى)، هذا السلاح الزهيد التكلفة الذي أثبت فاعلية غير مسبوقة وقدرة استثنائية على تجاوز أعقد المنظومات الدفاعية، ليحقق بالصوت والصورة إنجازاً عسكرياً يتسم بدقة عالية ونتائج مباشرة لم تُعهد في المواجهات السابقة.
هذا التحول التكتيكي يضعنا أمام واقع ميداني جديد كلياً؛ فلم تعد المقاومة في جنوب لبنان مضطرة للاعتماد حصراً على الترسانة التقليدية المكلفة من الصواريخ والمسيرات، والتي غالباً ما تكون نسب وصولها أقل وعرضة للاعتراض والسقوط في المعارك القريبة. اليوم، تحولت مسيرات الـ “FPV” إلى سلاح حاسم يكاد يكون بلا حل مضاد، مما يقلب موازين القوى التكتيكية ويجعل من صيد المنظومات الدفاعية باهظة الثمن أمراً متاحاً ويومياً.
ورغم الكارثية التي تمثلها هذه الضربات الدقيقة على بنية جيش الاحتلال الإسرائيلي ومعنويات جنوده المتآكلة، إلا أن المثير للاستغراب حقاً هو حالة الجمود الاستراتيجي التي تعيشها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فبدلًا من المسارعة إلى إجراء مراجعة شاملة وسريعة للعقيدة الأمنية والعسكرية وأماكن التموضع لمواجهة هذا الخطر الداهم، لا تزال القيادة الإسرائيلية تكابر وتقاتل بأساليبها الكلاسيكية القديمة التي باتت محفوظة ومكشوفة لعناصر المقاومة.
هذا العناد الميداني، والإصرار على البقاء في مواقع مكشوفة بدلاً من الانسحاب التكتيكي إلى ما وراء ما يُعرف بـ “الخط الأصفر”، يضع الجنود والآليات كأهداف سهلة—سواء كانت ثابتة أو متحركة. هذا التصرف يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن جيش الاحتلال يعاني من ضعف هيكلي في ميزان الحروب المعاصرة، وافتقار فاضح للإبداع القيادي والمرونة التكتيكية، وهو عجز كان سيعجل بانهياره الميداني لولا المظلة العسكرية والدعم الأمريكي اللامحدود الذي يبقيه واقفاً على قدميه.
أمام هذا المشهد المتغير، تبرز تساؤلات مصيرية حول مستقبل المنطقة: هل ستجبر هذه الضربات القاصمة إسرائيل في النهاية على ابتلاع كبريائها ومراجعة عقيدتها العسكرية المتقادمة؟ والأكثر رعباً بالنسبة لتل أبيب، ماذا لو كانت طهران تخطط بالفعل لاستنساخ هذه التجربة الناجحة ونشر هذه “المسيرات القاتلة” على نطاق واسع؟ إن مجرد التفكير في إغراق جبهات متعددة مثل سوريا، وقطاع غزة، والضفة الغربية بهذا السلاح الفعال والذكي، يعني ببساطة أننا أمام مرحلة جديدة ستتهاوى فيها أساطير التفوق التكنولوجي أمام تكتيكات الاستنزاف الذكية والقاتلة.
