لا تقاس القضايا الحية بعمر الكيانات السياسية، ولا تموت برحيل الأشخاص أو استشهاد القادة؛ فالقضايا العادلة تروى من دماء الشعوب وتستمد ديمومتها من إيمان الجماهير بحقها المشروع.
وفي هذا المنعطف التاريخي المعقد الذي يمر به الوطن يثبت شعب الجنوب مجدداً أن قضيته عصية على الطمس، وأن صوته الحر لن تخنقه سياسات التكميم، ولن تثنيه أساليب القمع التي تحاول الالتفاف على تطلعاته الوطنية.
إن القضية الجنوبية ليست مجرد ملف سياسي خاضع للمساومات في دهاليز السلطة، أو ورقة تفاوضية تتقاذفها الأطراف الإقليمية والدولية؛ بل هي قضية شعب يملك الأرض والتاريخ والهوية، وقدم قوافل من الشهداء في سبيل استعادة استقلاله وبناء دولته المستقلة. ومهمها تبدلت المسميات وتغيرت موازين القوى على الأرض أو تلاشت تحالفات وظهرت أخرى، فإن الثابت الوحيد الذي لا يقبل القسمة أو التراجع هو حق هذا الشعب في تقرير مصيره وإدارة شؤونه بنفسه بعيداً عن سياسات التبعية والإقصاء.
وفي غمرة هذا الصراع تبرز بعض الأصوات النشاز المحسوبة زوراً على الجنوب، أولئك الذين باعوا قضيتهم بفتات الموائد في عواصم القرار، وارتضوا لأنفسهم أن يكونوا مجرد أدوات لتمرير أجندات ومشاريع لا تمت للهوية الجنوبية بصلة.
إن هؤلاء الذين يعيدون اليوم إنتاج شعارات الماضي البائدة مثل “الوحدة أو الموت”، هم مجرد أبواق مأجورة لا يمثلون إلا مصالحهم الشخصية الضيقة، ولا يملكون أي شرعية للتحدث باسم شعب الجنوب الذي لفظهم وتجاوزهم ليرى فيهم مجرد امتداد لمنظومة الهيمنة التي عانى منها طويلاً.
المرحلة الراهنة تفرض تحديات جسيمة، حيث تسعى بعض القوى إلى إعادة إنتاج أدوات الهيمنة القديمة، مستغلة الأزمات الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية لفرض واقع مشوه يصادر الإرادة الجنوبية.
لكن الرد الحقيقي يأتي دائماً من الشارع الحر، الذي يرفض بوعيه وصموده أي محاولات لتطويع قضيته أو مقايضتها بالملفات الخدمية المعطلة أصلاً.
إن سياسة تكميم الأفواه وقمع الأصوات المطالبة بالحقوق المشروعة لم تكن يوماً حلاً، بل هي وقود يشعل الثورة ويزيد الشعب إصراراً على المضي قدماً في دروب النضال.
في الختام نقول، إن الرسالة الصادرة من أعماق الجنوب واضحة وصريحة:
نحن أصحاب حق، وأصحاب القضية الحقيقيون هم الذين يكتوون بنار المعاناة ويحملون راية الخلاص.
لن تموت هذه القضية ولن تضيع التضحيات سدى وسيبقى خيار استعادة الدولة واستقلال القرار الوطني هو البوصلة التي تحرك الجماهير.
لا للقمع لا للوصاية، ونعم لإرادة شعبية حرة تصنع مستقبلها بأيدي أبنائها وتؤكد للعالم أجمع أن الحقوق المغتصبة لا تسقط بالتقادم.
