الناس ما عاد تحلم بـ “دولة عظمى” ولا بـ “نهضة” ولا بـ “سويسرا العرب” ولا حتى تطالب بـ “دولة في مستوى جيبوتي المجاورة”
الناس تريد دولة أقل سوءاً فقط.
دولة تشتري دقيق بدل أطقم لا حررت ولا تركت الناس تعيش ، دولة تدفع راتب بدل مؤتمرات وسفريات وورش لا تسمن ولا تغني ، دولة ينزل الراتب فيها قبل ما يخلص الدقيق من البيت ، دولة مستشفاها الحكومي يعالج المريض لا يحوله يشتري الدواء والشاش والقفاز من برا ، دولة يدخل الطفل المدرسة يلقى كرسي وكتاب ومروحة لا يطلع متسرب لان أبوه غير قادر ، دولة تخجل لما الطفل يموت على الباب وهي في نفس الوقت تدفع مرتبات بالدولار لـ “خردة سكراب” مسماة مستشارين ووكلاء وملحقين وشراء وطبالين اعلاميين…الخ
سقف طموح الناس المسحوقين اليوم ان يمشوا في الشارع وما يخافوا على عيالهم وعلى رزقهم لا أطقم تحمي الفاسد وتجلد الجائع
سقف طموحهم اليوم كهرباء 12 ساعة ماء مرتين في الأسبوع ، طريق ما تكسر السيارة . سقف لا يطالب بالمعجزات
سقف الطموح القانون يمشي على الجميع ليس على الضعيف والوظيفة في جزء منها بالكفاءة ليست بالوساطة وبالقرابة
سقف الطموح ان المسؤول يخجل ويستحي لما يرى طابور على الدقيق وهو طالع يتصور في مؤتمر
المواطن لا يطالب بمدن ذكية ولا قطارات فقط يطالب بـ “أقل سوءاً” من الوضع الحالي
لكن في ظل هذا الواقع ، يصبح سؤال الناس الذين يُطلب منهم “ضريبة الدم” كل يوم سؤالاً مشروعاً وواجباً: “هل توجد دولة؟”
سؤال يسأله الجندي الذي مرتبه 60 ألف والأم التي ابنها مات على باب المستشفى والتاجر الذي “يتمرمط” كل يوم في نقطة والموظف الذي راتبه ما عاد يكفي أسبوع
الإجابة على هذا السؤال ليست بخطاب رنان ولا بوعود كاذبة جديدة ، الإجابة هي فعل ينقذ الناس أو رحيل ، فعل يعني: راتب في وقته. كهرباء وماء أمن يحمي الضعيف محاسبة للفاسد مهما كان
فعل يعني: توقف نزيف العملة ويتحول الإنفاق من المؤتمرات إلى المخابز
وإذا كان الفعل عاجزاً فالخيار الثاني واضح: “الرحيل” والرحيل ان يتركوا المسؤولية للقوى التي وضعتهم في الواجهة لحاجتها الوظيفية لهم. أما البقاء في الكرسي بلا إنجاز فقد صار عبئاً واستنزافا لما تبقى من ماء وجههم ، لكنها وجوه من “كفرات تالفة” لا يخجلها انتقاد ولا يردعها جوع شعب
