تحظى فكرة انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي باهتمام دائم من قِبل مفكرين ووزراء سابقين يطرحونها كطوق نجاة لانتشال البلاد من أزماتها الاقتصادية والإنسانية.
ورغم الروابط التاريخية والقبلية الوثيقة، إلا أن القراءة الدقيقة للشأن الإقليمي تؤكد أن هذا الانضمام يواجه جداراً من المعوقات البنيوية التي تجعله أمراً مستحيلاً في المدى المنظور.
المصالح والعمق الإستراتيجي:
من الناحية النظرية يمثل اندماج اليمن في المنظومة الخليجية مصلحة متبادلة؛ فاليمن يحتاج تدفق الاستثمارات وفتح الأسواق أمام عمالته لتخفيف الفقر.. وفي المقابل يمثل اليمن عمقاً بشرياً وجغرافياً وحصناً جنوبياً لشبه الجزيرة العربية، وتعد إطلالته على البحرين العربي والأحمر ومضيق باب المندب حيوية لحماية خطوط ملاحة الطاقة والتجارة العالمية التي تعتمد عليها اقتصادات الخليج.مراجع جغرافية
جدار العوائق المستحيلة:
رغم هذه المصالح تصطدم رغبة التوسع بأربعة عوائق جوهرية يدركها صناع القرار جيداً:
– الفجوة الاقتصادية الشاسعة: تصنف دول الخليج ضمن الأعلى دخلاً عالمياً بتكامل نقدي مستقر، في حين يعاني اليمن انهياراً اقتصادياً حاداً وانقساماً مالياً، وتدهوراً مستمراً في قيمة العملة المحلية.
– التباين السياسي وأنظمة الحكم: تقوم دول الخليج على أنظمة ملكية محافظة تسعى للاستقرار، بينما يقوم النظام الدستوري اليمني على التعددية الحزبية والجمهورية.. كما أن غياب دولة مركزية موحدة وتعدد مراكز القرار العسكري يجعل توقيع اتفاقيات مصيرية أمراً متعذراً.مراجع جغرافية
– المعضلة الديموغرافية: يمثل سكان اليمن كتلة بشرية ضخمة تكاد تفوق عدة دول خليجية مجتمعة.. وتخشى الأنظمة الخليجية أن يؤدي فتح الحدود وحرية التنقل والعمل إلى خلل ديموغرافي واجتماعي يؤثر في تركيبتها السكانية الحساسة.
– الاختلاف الجغرافي: لا يملك اليمن سواحل على الخليج العربي بل يطل على بحر العرب والبحر الأحمر وهو ما يفرّق طبيعياً بين هوية الدول الشاطئية للخليج واليمن.
التوقيت الخليجي العصيب والبديل الواقعي:
يمر مجلس التعاون بمرحلة تجاذبات وتنافس اقتصادي داخلي محتدم؛ حيث تركز الدول الكبرى كالسعودية والإمارات على إنجاح رؤاها الوطنية (مثل رؤية 2030) وتنويع اقتصاداتها وتحويل مدنها إلى مراكز مالية عالمية، مما يجعل تحمل الأعباء المالية والأمنية الهائلة لتأهيل اليمن عبئاً إضافياً لا ترغب أي دولة في تحمله بمفردها.مراجع جغرافية
لذلك يتجه المشهد مستقبلاً نحو “صيغة الشراكة التدريجية المشروطة” والعلاقات الثنائية.. ويتجلى ذلك في استمرار دمج اليمن في المنظمات الخليجية الفنية (كالتعليم والصحة والرياضة)، مع التركيز على رعاية السلام وتقديم المساعدات الإنسانية المشروطة بالإصلاحات وإبقاء الملف السياسي كاملاً خلف حدود أمنية صارمة دون تقديم أي وعود بعضوية كاملة.
