*- شبوة برس – خاص
رصد ومتابعة محرر “شبوة برس” مقالاً للكاتب السعودي محمد البلادي نشره على منصة “إكس” بعنوان “الجماعة أولاً.. ولو هلكت الأوطان”، تناول فيه خطورة الطاعة العمياء داخل الجماعات العقائدية، وكيف يمكن للأفكار المغلقة أن تدفع أتباعها إلى تقديم الجماعة ومشروعها على المجتمع والدولة والوطن.
واستهل البلادي مقاله باستحضار حادثة اقتحام المسجد الحرام عام 1979 بقيادة جهيمان العتيبي، متسائلاً كيف استطاع رجل لم يتجاوز تعليمه النظامي المرحلة الابتدائية أن يقنع أتباعه، وبينهم من يفوقه علماً وتعليماً، بفكرة دفعتهم إلى مصادمة مجتمع كامل والمخاطرة بحياتهم.
وأشار إلى أن تجربة جهيمان لم تكن حالة منفردة في التاريخ، مستشهداً بجماعة “معبد الشعوب” التي قادها الأمريكي جيم جونز، وانتهت عام 1978 بمقتل أكثر من 900 شخص، ثم جماعة “بوابة السماء” التي أنهى 39 من أتباعها حياتهم عام 1997. ويرى البلادي أن القاسم المشترك في هذه التجارب لم يكن غرابة أفكار القادة فقط، وإنما توقف الأفراد عن اختبار تلك الأفكار بعقولهم، والنظر إلى العالم من خلال عقل الجماعة.
وأوضح الكاتب أن الإنسان قد يتبنى فكرة مخالفة لما يراه بعينه تحت تأثير الجماعة والخوف من العزلة، مستشهداً بتجربة عالم النفس الأمريكي سولومون آش، التي أظهرت قدرة ضغط المجموعة على دفع بعض الأفراد إلى تبني إجابة خاطئة رغم وضوح الإجابة الصحيحة أمامهم.
وحذر البلادي من خطورة التنظيمات العقائدية المغلقة التي تصنع لأتباعها عالماً يقوم على ثنائية “نحن أهل الحق وهم أهل الباطل”، وتصور نفسها دائماً باعتبارها مستهدفة من مؤامرة خارجية، وتجعل قائدها مصدراً للحقيقة، بينما يصبح الاعتراض عليه خيانة والتراجع عن الطريق سقوطاً.
وأشار إلى أن الجماعة في هذه الحالة لا تكتفي بتحديد ما يؤمن به الفرد، بل تعيد تشكيل نظرته إلى العالم، فتحدد له من يحب ومن يكره، ومن هم أعداؤه، وتقدم له تفسيراً جاهزاً لكل حدث، وتمنحه في الوقت ذاته شعوراً بأنه جزء من “معركة كبرى” ومشروع يتجاوز حياته الشخصية.
ويرى البلادي أن أخطر صور هذا التعليب الفكري تظهر عندما تتحول التنظيمات والفصائل المسلحة إلى هويات سياسية وعسكرية تتقدم على فكرة الدولة نفسها، فينشأ أفرادها داخل قوالب حادة تقوم على الحق والباطل والولاء والخيانة، حتى يصبح الانتماء إلى المشروع العقائدي وقادته معياراً للحقيقة، ولو تعارضت مصالح الجماعة مع مصالح المجتمع والدولة.
وأضاف أن هذه الهياكل المؤدلجة تستطيع دفع الشباب إلى خوض معارك تكون كلفتها أكبر من مكاسبها، وإدخال مجتمعات كاملة في مواجهات لم تخترها، ثم إعادة تفسير نتائجها أمام الأتباع؛ فالهزيمة تصبح انتصاراً، والدمار تضحية، والعزلة صموداً، والموت بطولة.
ولفت إلى أن الأخطر هو أن الفرد داخل هذه البيئة لا يرى نفسه ضحية، بل يعتقد أنه الأكثر وعياً وإيماناً وشجاعة، فيما تتراكم أمامه النتائج من مدن مدمرة واقتصادات منهكة وأسر مفجوعة وأجيال تدفع ثمن الصراع.
ويؤكد البلادي أن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما تُفسر الخسائر المتزايدة باعتبارها دليلاً على عظمة القضية، وتتحول كل الأدلة التي يفترض أن تكشف خطأ الفكرة إلى أدلة جديدة على صحتها، فتغلق الجماعة على نفسها دائرة يصعب اختبارها أو الخروج منها.
وخلص الكاتب السعودي إلى أن أخطر ما يمكن أن تفعله جماعة بالإنسان ليس أن تقنعه بفكرة خاطئة، وإنما أن تقنعه بأن هويته ووجوده ومستقبله مرتبط بهذه الفكرة إلى درجة تجعله مستعداً لخسارة مستقبله ومجتمعه ووطنه، وربما حياته، قبل أن يمتلك الشجاعة لطرح سؤال واحد على نفسه: “هل نحن فعلاً على حق؟”
