*- شبوة برس – خاص
ليس من السهل العثور على وصف أكثر سخرية من “مجلس المغتربين الرئاسي” لحالة سلطة أمضى كبار مسؤوليها سنوات طويلة خارج اليمن، بينما يتحدثون عن إدارة وطن لم يعودوا يرغبون في العودة إليه، في وقت تتواصل فيه معاناة المواطن ويزداد العبء على من يعيشون داخل البلاد.
المفارقة الأكبر تظهر عند مقارنة هؤلاء المسؤولين بالمغترب الجنوبي الذي يخرج بحثاً عن لقمة العيش، ويعمل لساعات طويلة، ويتحمل الغربة والبعد عن أسرته ومشقة الحياة، ثم يرسل ما يكسبه لإعالة أسرته وتعليم أبنائه وإخوانه الصغار، ولا يتوقف عطاؤه عند أسرته، بل يمتد إلى أعمامه وعماته وأخواله وخالاته وجيرانه، في الأفراح والأحزان.
ذلك هو المغترب الذي يعرف معنى الغربة فعلاً؛ رجل يعمل ويتعب ويسهر ويقتطع من قوته ليبقي أسرته واقفة على قدميها.
أما “مغتربو الرئاسي”، فحكاية أخرى. سنوات طويلة في الخارج، ومزايا مالية ووظيفية، وإقامات مريحة، وحياة لا تشبه حياة المواطن الذي يدفع ثمن الأزمات من قوته وصحته ومستقبل أبنائه. ومع ذلك، لا يبدو أن الغربة أثقلت عليهم بقدر ما أثقلت على المغترب البسيط.
والأكثر إثارة للسؤال هو الحديث المتداول عن إنفاق مبالغ ضخمة من الموارد العامة على مسؤولين ومؤسسات تعمل من خارج البلاد، في الوقت الذي يعاني فيه المواطن الجنوبي من تدهور الخدمات وارتفاع الأسعار وانقطاع الكهرباء وتراجع القدرة الشرائية.
وإذا كانت هذه الأرقام الخرافية المتداولة عن مخصصات شهرية تصل إلى ملايين الدولارات صحيحة، فإن السؤال ليس فقط: كم ينفقون؟ بل: من أين تأتي هذه الأموال؟ ومن يراقبها؟ ولماذا يدفع المواطن الفقير ثمن إقامة مسؤولين لا يعيشون معاناته؟
إن الجنوب لا يعاني من نقص الرجال القادرين على العمل، وإنما من منظومة سياسية جعلت جزءاً كبيراً من الموارد بعيداً عن رقابة أصحابها، بينما يعيش المواطن على هامش ثروة يفترض أن تكون في خدمة حياته.
ومن المفارقات أيضاً أن المسؤول الذي يقيم سنوات في الخارج قد يتحدث عن الوطنية والسيادة وإدارة الدولة، بينما المغترب الجنوبي الحقيقي يمارس الوطنية كل يوم بإرسال راتبه إلى أسرته، وتعليم أبنائه، وإغاثة أقاربه وجيرانه، والمشاركة في أفراحهم وأحزانهم.
أما موارد البلاد، فإن الحديث عن وجهتها يحتاج إلى أرقام ووثائق وحسابات معلنة، لا إلى شعارات. ومن حق المواطن أن يعرف أين تذهب عائدات النفط والغاز، وكيف تُدار الموارد، ومن المستفيد منها، وما نصيب الناس الذين ينتجون ويتحملون أعباء الحياة.
فالفرق واضح بين مغترب يكد في الغربة ليطعم أهله، ومسؤول يعيش في الخارج على حساب المال العام ثم يقدم نفسه بوصفه رجل دولة.
الأول يبني أسرة، والثاني يحتاج إلى أن يثبت أنه يبني دولة.
وفي الحالتين، تبقى الحقيقة التي لا تحتاج إلى بروتوكول ولا مؤتمر: “المغترب الجنوبي يرسل المال إلى وطنه وأهله، بينما المواطن يريد أن يعرف لماذا ترسل الدولة المال إلى مغتربيها الرسميين في الخارج.”
