“قراءة لغوية ومقاصدية”

بعد إدراجي لمنشوري الموسوم بـ (لماذا يا ألباني؟) هنا في المنصة، الذي تناول الرواية المزعومة على النبي ﷺ من أنه أمر صاحبَ البيت أن يُعلِّقَ السوطَ ليكون مرئيًّا لأهل بيته؛ توالت الردود والاعتراضات التي حاولت دَرءَ ذلكم الاعتراض على هذا الحديث المفتَرَى، بالاستدلال بتشريع الله ﷻ لضرب الزوجة في كتابه المجيد.

ومن أجل ذلك؛ رأيتُ أن أُفرد لهذا الموضوع منشورًا مستقلًّا. ومع هذا، فإنني لا أوجِّه هذا الرد إلى السلفيين المقلِّدة الذين يصفون أنفسهم بـ«الأثريين أو أهل الأثر» فقط؛ وإنما أوجِّهه – أيضًا – إلى أعداء الإسلام الذين يتخذون من هذا التشريع الإلهيِّ مَطعنًا في الدين، كما أوجِّهه إلى من يسمون أنفسهم بـ«القرآنيين»، ممن تَزاوروا عن صريح اللسان العربي واستعمالات العرب للفعل «ضَرَبَ»، وبحثوا عن مَعانٍ باطنيةٍ لا السياقُ يُعَضِّدُها والا اللغة تؤيدها. إذ زعموا أن الضرب في آية النشوز لا يدل على الضرب الجسدي؛ وإنما يعني الضرب في الأرض، أي هجر الزوجة!

وهذا القول مردودٌ لعدة أساب؛ أولها أن الهجر قد ذُكر – صراحةً – في الآية، وثانيها أن الفعل «ضرب» من الأفعال المشتركة التي تتعدد معانيها، ويُعَيِّنُ المرادَ منها السياقُ الذي وردت فيه. فلا يقول عاقل – مثلًا – إن قول الله ﷻ عن بقرة بني إسرائيل: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾، أو قوله – سبحانه – لموسى عليه السلام: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْر﴾، معناه: اهجروا بقايا البقرة أو اهجروا البحر!

وأبدأ مستعينًا بالله، فأقول:

قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 34].

وهذه الآية من أكثر آيات القرآن إثارةً للجدل في الخطاب المعاصر؛ إما بفهمٍ متشدّد يوسّع مدلولها حتى يجعلها ذريعةً للعنف، وإما بردّ فعلٍ مناقض يحاول إفراغها من معناها اللغوي، وبين الإفراط والتفريط تضيع القراءة المتوازنة التي تراعي النصّ وسياقه ومقاصده.

ينبغي أولًا أن نتفق – اتفاقًا لا لبس فيه – على أن الضرب المذكور في الآية لا يمكن أن يعني الضرب المبرّح المؤذي الذي يفضي إلى الجروح والكسور والرضوض والعاهات. فهذا عدوانٌ محرَّمٌ شرعًا ومجرَّمٌ قانونًا، ولو رفعت امرأة أمرها إلى القضاء بسبب اعتداءٍ جسديٍّ من هذا النوع لعوقب الزوج؛ لأن الشريعة لا تبيح الإيذاء ولا ترفع المسؤولية عن المعتدي بحجة الآية.

فالرسول ﷺ لم يُنقل عنه قط أنه ضرب امرأةً أو أحدًا؛ بل ثبت أنه قال: “لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم”، وهذا توجيه صريح ينفي صورة العنف الفَجّ التي يتخيلها البعض.

ثم إن لفظ “النشوز” نفسه ليس كلمةً عابرة؛ بل يدل على حالٍ خاصة من التمرّد والعلوّ والتعالي الذي يهدد كيان الأسرة. فالآية لا تتحدث عن خلاف عابر، ولا عن مزاجٍ متقلب، ولا عن اختلاف في وجهات النظر؛ بل عن نشوزٍ يُخشى وقوعه أو تفاقمه. والنشوز في اللغة هو الارتفاع، وكأن أحد الطرفين يرتفع على الآخر في معاملةٍ مهينة أو سلوكٍ قاصدٍ لإذلاله، الأمر الذي يهدد استقرار العلاقة الزوجية.

أما ما استقرّ في أذهان كثيرين من أن الأفعال الثلاثة الواردة في الآية يجب أن تُنفّذ جميعًا، وبالترتيب الحرفي الإلزامي؛ فليس عليه نصٌّ صريح يدل على وجوب الجمع بينها دائمًا. فالآية ذكرت ثلاثة خيارات علاجية، لكن لم يأتِ فيها ما يوجب استنفاد الأول ثم الثاني ثم الثالث في كل حال؛ بل السياق يدل على أن المقصود معالجة حالة النشوز بأخف الوسائل وأنسبها لطبيعة الزوجة والبيئة.

فإن كانت الزوجة من أهل الوعي والدين والعقل فتكفيها الموعظة الصادقة؛ فلا معنى للانتقال إلى غيرها. وإن كانت ممن يؤلمها الهجر في المضجع؛ فقد يكون ذلك كافيًا لردّها إلى التوازن. أما الضرب، فليس هو الأصل، ولا هو المقصود ابتداءً؛ بل خيارٌ أخير في بيئةٍ قد ترى فيه – وفق أعرافها – أسلوبَ ردعٍ رمزيٍّ غيرِ مؤذٍ ولا شديدِ الإيلام.

ومع تغيّر الأعراف وتبدّل القوانين وارتفاع الحساسية تجاه العنف الجسدي، يصبح هذا الخيار – في كثير من المجتمعات – متعذر التطبيق من غير مفاسد أكبر.

هذا، وإن قاعدة “أخفّ الضررين” أصلٌ عقليٌّ قبل أن يكون شرعيًّا. فإذا كانت الأسرة على شفا الانهيار بسبب نشوزٍ خطير يهدد الكرامة والسكينة، وكان الطلاق هو البديل المباشر، فقد يُنظر إلى بعض الأفعال التأديبية الرمزية – في بيئة معينة – على أنها أخفّ من تمزيق الأسرة وتشريد الأبناء وما يترتب على ذلك من فواجعَ لا تخفى على أحد. لكن متى ما تحوّل هذا الأمر إلى إهانةٍ أو إذلالٍ أو أذًى جسديٍّ بالغ؛ فقد انقلب إلى ضررٍ أكبر يناقض مقاصد الشريعة في حفظ النفس والكرامة.

ثم إن ختام الآية بالغ الدلالة: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾، أي أن المقصود الإصلاح لا الانتقام، والمعالجة لا الإذلال، وإعادة التوازن لا تكريس الهيمنة. فالآية تقيد الرجل وتمنعه من البغي والتجاوز حتى بعد الطاعة، وهو ما يدل على أن السلطة هنا ليست مطلقة؛ بل مقيّدة بالعدل.

وينبغي – كذلك – أن يُفهم أن الإسلام لم يحارب شيئًا كحربه للطلاق المتعسف وتفكك الأسرة. فالأسرة لبنة المجتمع، وانهيارها ينعكس على الأولاد أولًا، ثم على النسيج الاجتماعي كله، ومن هنا جاءت التشريعات التي تهدف إلى احتواء الأزمة داخل البيت قبل أن تصل إلى القطيعة النهائية. لكن هذا الحرص على بقاء الأسرة لا يبرر العنف، ولا يجيز تحويل النص إلى أداة قهر.

إن القراءة المقاصدية المتوازنة تقتضي أن نُبقي النص في سياقه، وأن نفهمه في ضوء القواعد العامة التي تمنع الظلم والإيذاء. فليس من العدل أن نُسقط مفاهيم العنف الحديثة على نصٍّ نزل في سياق اجتماعي مختلف، ولا من الأمانة أن نُحوّل النص إلى ذريعةٍ لإدامة ممارسات مؤذية.

إن العلاقة الزوجية في الإسلام قائمة على المودة والرحمة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ [الروم: 21].

فإذا غابت المودة وحلّ مكانها القهر، وغابت الرحمة وحلّ محلها التعنيف؛ فقد انهدم الأساس الذي تقوم عليه الأسرة، مهما استُحضرت النصوص.

وإذن، فالآية ليست تصريحًا مفتوحًا بالعنف، ولا دعوةً لإخضاع المرأة؛ بل تشريعٌ علاجيٌّ في حالٍ استثنائية، مقيّدٌ بعدم البغي، ومشروطٌ بقصد الإصلاح، ومحكومٌ بمقاصد الشريعة الكبرى. وأيُّ فهمٍ يُخرجها من هذا الإطار المتوازن، إما بالتشدد المؤذي أو بالتفريغ المخلّ؛ هو فهمٌ مرفوض.