تتحول صحراء الريان بمحافظة الجوف هذه الأيام إلى مسرح لواحد من أكثر الفصول القبلية غموضاً وإثارة للريبة في المشهد اليمني؛ حيث أعلن الشيخ القبلي “حمد بن فدغم” ما أسماه “مطارح الكرامة”، مستدعياً النكف القبلي وسلوكيات الأعراف التقليدية تحت لافتة “الدفاع عن العِرض واسترداد ممتلكات ” ربيعته” التي يدعي قرابتها للرئيس العراقي الراحل صدام حسين”. لكن القراءة الواقعية والواعية لهذا التحشيد المفاجئ، بعيداً عن الاستعطاف الإعلامي، تكشف عن أبعاد خطيرة تحوم حولها الشبهات وتضع علامات استفهام كبرى حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحرك في هذا التوقيت الحساس.

إن تحليل أبعاد “نكف فدغم” يتطلب الوقوف أمام حقائق واضحة .. فأولى هذه الحقائق هي أن المظلمة المدّعاة والإهانة التي تعرض لها الرجل من قِبل قادة المليشيا حدثت في قلب  صنعاء، وبالتالي فإن المنطق والشهامة القبلية الصادقة كانت تقتضي أن يدعو للنكف في محافظة صنعاء وليس في الجوف ! وتُساق الحشود والبنادق نحو أسوار مدينة صنعاء لاقتلاع الظالم واستعادة الحقوق من منبعها.

 أما الهروب إلى صحراء الجوف والبكاء لاستعطاف القبائل فما هو إلا استغلال فج للأعراف القبلية النبيلة لخدمة أجندة مشبوهة.

فإذا كان بن فدغم ومن غُرر بهم صادقين في استعادة الكرامة، فالكرامة الحقيقية والجامعة لليمنيين هي استعادة دولتهم المغتصبة وتطهير صنعاء؛ وحينما يدخلها فاتحاً ويرد كرامة الأمة المنتهكة، عندها فقط سترفع له القبائل الرايات البيضاء وسيسترد حقوق “ربيعته” المزعومة بكل سهولة.

أما البُعد الأخطر في هذا الملف فيكمن في الهوية السياسية “المتحوثة” لحمد بن فدغم؛ فالرجل له تاريخ معروف، عندما انشق عن التحالف والتجأ الى صنعاء ،وعاش لسنوات طوال مستقراً ومستفيداً من منظومة المليشيا في صنعاء.. ولم يتذكر “الكرامة” إلا بعد تضارب مصالحه الشخصية مع أجنحة المليشيا هناك.

هذا الماضي يرفع منسوب الشك إلى درجة اليقين بأن هذا “المطرح” قد لا يكون سوى مخطط استخباري حوثي مدروس ومغطى بغطاء قبلي، والهدف الحقيقي منه ليس العقارات ورفع الظلم عن المرأة، بل إحداث اختراق أمني في المناطق التي تسمى محررة، لتسهيل تمدد المليشيا نحو منابع النفط والغاز الحيوية في “صافر”، وإحكام السيطرة الكاملة على ما تبقى من محافظة الجوف ومأرب.

رسالة وتحذير للقبائل الجنوبية المتوافدة:

إلى مشائخ وعقلاء ورجال القبائل الجنوبية ممن يتوافدون اليوم إلى مطارح بن فدغم في الريان بداعي “الفزعة والداعي القبلي”:

إن النخوة والشهامة والدفاع عن العِرض هي شيم متجذرة في وجدانكم، لكن إياكم أن تقعوا في فخ “العاطفة القبلية العمياء” التي تُستغل اليوم لضرب مشروعكم وتأمين تمدد عدوكم.

لا تتجاهلوا الماضي الحوثي الواضح للمدعو “بن فدغم”، ولا تغلقوا أعينكم عن الاحتمال الأكبر بأنه ينفذ مسرحية استخباراتية صُنعت حبكتها في أقبية الأمن والمخابرات بصنعاء.

إن توافدكم ومشاركتكم في هذا المطرح المشبوه لا تخدم كرامة المرأة ولا عُرف القبيلة، بل تسهم بوعي أو بدون وعي في تقديم طوق نجاة وغطاء شرعي للمليشيات لتنفيذ غايتها الأزلية باجتياح مناطق النفط وتهديد المحافظات الجنوبية.

 احذروا أن تكونوا وقوداً في معركة يُراد منها استنزاف تماسك جبهتكم الداخلية، ووجّهوا بوصلة فزعتكم نحو قطع دابر هذه المؤامرات، وحفظ أمن بلدكم “الجنوب” فهو أهم وأولى، وعليكم مقاومة المشروع التدميري الذي يستهدف اليمن والجنوب العربي على حد سواء.