**تعليق سياسي – شبوة برس

لم يعد المشهد السياسي في الجنوب كما كان قبل سنوات. فقد انتقلت القضية الجنوبية من مرحلة الحراك الشعبي إلى مرحلة العمل المؤسسي، مع بروز المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه الحامل السياسي والعسكري للمشروع الجنوبي، الأمر الذي منح القضية حضورًا أكثر تنظيمًا في المعادلات السياسية الإقليمية والدولية.

هذا التحول، وفق قراءة المشهد، دفع الأطراف الرافضة للمشروع الجنوبي إلى البحث عن أدوات جديدة للتأثير، بعد أن تراجعت فعالية وسائل المواجهة التقليدية. ومن هنا برزت مشاريع إنشاء ما يسمى بـ”المجالس التنسيقية” في عدد من المحافظات الجنوبية، وهي مشاريع يراها كثير من المراقبين محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي من بوابة الانقسامات المحلية.

وتثير هذه المجالس تساؤلات واسعة حول أهدافها الحقيقية، خصوصًا أنها تقوم على أطر مناطقية منفصلة، بما قد يؤدي إلى تعدد مراكز التمثيل وإضعاف الخطاب السياسي الموحد، وتحويل القضية الجنوبية من مشروع وطني جامع إلى ملفات محلية متفرقة، وهو ما قد ينعكس على قوة الموقف السياسي في أي استحقاقات قادمة.

ولا تتوقف تداعيات هذه المشاريع عند الجانب السياسي، إذ تمتد – وفق هذه القراءة – إلى الجوانب الأمنية والاجتماعية، من خلال إيجاد كيانات موازية قد تفتح الباب أمام تباين مراكز القرار، أو تغذي الانقسامات المحلية على حساب الهوية الجنوبية الجامعة، بما يهدد حالة التماسك التي تشكلت خلال السنوات الماضية.

وفي المقابل، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز الشراكة الوطنية بين مختلف المحافظات الجنوبية، وترسيخ مفهوم الدولة والمؤسسات، ومعالجة القضايا الخدمية والمعيشية التي تمثل المدخل الأهم لتعزيز ثقة المواطنين، وإغلاق أي فراغ يمكن استغلاله لإيجاد مشاريع موازية.

وفي المحصلة، فإن مستقبل الجنوب لن تحدده كثرة الكيانات أو تعدد المسميات، بل قدرة القوى السياسية على الحفاظ على وحدة الموقف، وصون الهوية الوطنية، وبناء مؤسسات فاعلة تستجيب لتطلعات المواطنين. فكلما ازدادت الجبهة الداخلية تماسكًا، تراجعت فرص نجاح المشاريع التي تقوم على التشظي وإعادة إنتاج الانقسام، وبقيت القضية الجنوبية أكثر حضورًا وقدرة على مواجهة تحديات المرحلة.