.. في مدينة الرياض السعودية تتسارع خطى الدبلوماسية الإقليمية لرسم ملامح الخارطة اليمنية عبر “مؤتمر الحوار الجنوبي”.
هذا الحراك الذي تقوده الشقيقة الكبرى رغبةً في ضبط إيقاع التفاعلات السياسية يضع القضية الجنوبية أمام منعطف استراتيجي تتداخل فيه طموحات الشارع مع حسابات المصالح الدولية.
صمت العواصم ورهانات الحلفاء:
فيما يخص موقف القوى العالمية الحرة يسود عواصم القرار الكبرى نوع من البراغماتية الحذرة.. إذ ينصب اهتمامها الأساسي على تأمين خطوط الملاحة الدولية واستقرار المنطقة مما يجعلها تميل لدعم أي تفاهمات تُفضي إلى تهدئة مستدامة حتى وإن جاءت على حساب الطموحات الجذرية لشعب الجنوب بفك الارتباط.
وفي المقابل تقف أبوظبي— الداعم الرئيسي للمجلس الإنتقالي – موقفاً يوازن بين الحفاظ على حلفائها في الجنوب وبين تجنب الصدام المباشر مع التوجهات السعودية؛ إذ تسعى لتأمين نفوذها الجيوسياسي عبر المناورة الهادئة دون التفريط بكتلتها الوازنة على الأرض.
قولبة المشهد وسياسة الاحتواء:
تتحرك قاطرة الحوار في الرياض وفق هندسة سياسية تسعى لإعادة صياغة مراكز القوى.. وبأسلوب يعتمد “الدبلوماسية الناعمة وأوراق الضغط الاقتصادي”، تحاول الأطراف الراعية تفكيك جبهة الرفض الصارم عبر استيعاب المكونات المتعددة لتخفيف حدة الاستقطاب.
هذا التوجه يثير تساؤلاً حول قدرة الأدوات المحلية على إقصاء القيادات التمسكة بخيار استعادة الدولة.. الواقع يشير إلى أن محاولات التدجين قد تنجح في تهميش بعض الوجوه سياسياً أو دفعها نحو حافة المشهد لكنها تعجز عن محو عقيدة سياسية متجذرة في الوجدان الشعبي.
مصير الجنوب ومشاريع الأقاليم:
يبدو مصير الجنوب بعد هذا المؤتمر رهناً بمدى قدرة الشارع على الصمود أمام مشاريع الإحلال السياسي.. وتبرز على الطاولة محاولات إحياء “مشروع الأقاليم الستة” كصيغة وسطية تضمن بقاء الدولة الموحدة شكلياً مع تفتيت الكتلة الجنوبية جغرافياً وإدارياً.
إن فرض هذا المشروع من غرف الرياض المغلقة قد يمرر نصوصاً على الورق، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع سيصطدم بجدار من الرفض الشعبي.. فالجنوب اليوم بتركيبته ومخاضاته بات عصياً على القوالب الجاهزة التي لا تلبي الحد الأدنى من تطلعاته السياسية المشروعة في تقرير مصيره.
