(سيكولوجية الجريمة الكاملة)

من أبشع المشاهد الإنسانية وأشدها إيلاماً للمجتمعات أن ترى المسؤولية وهي تُمسخ لتصبح تسلطاً وأن تشاهد الكرسي الذي وُضع لخدمة الناس وإرساء الحقوق وقد تحول إلى منصة لإطلاق قذائف الظلم والتجبر .

إن استقواء صاحب المنصب بكرسيه ونفوذه ليس مجرد خلل إداري أو سقطة أخلاقية عابرة بل هو جريمة مكتملة الأركان أمام الله وأمام الإنسانية جريمة تنبثق من وعي مشوه يرى في الوظيفة العامة غنيمة لا تكليفاً وسلاحاً للمواجهة لا أداة للبناء .

الأصل في أي منصب رسمي أو وجاهة اجتماعية أنه مسؤولية للحق جدارٌ يستند إليه الضعيف ليعيد حقه وميزانٌ يلجأ إليه المظلوم لينصفه لكن حين تغيب الرقابة الذاتية وينعدم الوازع الأخلاقي والديني يحدث انقلاب خطير في المفاهيم .

تحصين الباطل يصبح النفوذ وسيلة لحماية المصالح الضيقة والشخصية على حساب المصلحة العامة .

 استضعاف النقاء يُستغل الكرسي لتركيع الكفاءات وأصحاب المبادئ الذين يرفضون الانصياع او السكوت لمنطق الشللية أو الفساد .

وهم الديمومة يقع الظالم في فخ غرور القوة ظاناً أن درع المنصب سيحميه من عواقب أفعاله إلى الأبد .

حين يصبح المنصب سلاحاً للظلم فإن الجرم يتضاعف. فالمظلمة هنا ليست من فرد لفرد بل هي خيانة أمانة لثقة مُنحت لهذا المسؤول أمام الله يعد هذا النوع من البغي اقوى الذنوب عقوبة فالظالم المحتمي بكرسيه نسي أن كرسي الحكم والقدرة الحقيقية هي لله وحده وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب تنفذ عبر أسوار المكاتب العاجية وحراساتها .

أما اجتماعيّاً ومؤسساتيّاً فإن هذا الاستقواء ينتج بيئة طاردة لكل ما هو إيجابي حيث يُهدم مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب ويحل محله ولاء المصلحة والنفاق مما يؤدي في النهاية إلى ترهل المؤسسات وفقدان المواطن ثقته في القانون والعدالة .

على كل من يستقوي بمنصبه ليمارس الظلم أو ليتطاول على حقوق الآخرين مستغلاً نفوذه أن يدرك حقيقة تاريخية وإدارية ثابتة لو دامت لغيرك ما وصلت إليك .

المنصب كظل الغمام يزول سريعاً ولا يبقى للمرء بعد تركه لكرسيه إلا أثره إما دعوات بالخير تلاحقه لعدله أو لعنات تلاحقه لظلمه وتجبره إن السلاح الذي يصنعه الكرسي الزائل هو سلاح واهن وأكبر الجرائم هي تلك التي يرتكبها الإنسان وهو يظن أنه في مأمن من الحساب فالتاريخ لا يرحم وعدالة السماء بالمرصاد .